في إنتظار الطائر الميمون ..أو في إنتظار الأنفجار الكبير
قاسم العجرش
2010/09/25

لن نخرج عن المألوف نحن إذا إتفقنا أن هناك حزمة من الأسباب وليست سببا واحدا هي تلك التي أدت الى تعقيد المشهد السياسي والوصول الى الحال الراهنة الخارجة عن المألوف،..فلقد جرى تمييع التعددية الحزبية والسياسية بشكل عبثي، وتحولت السياسة الى طموحات إنتهازية لفئات تراهن على توظيف مستقبلنا لخدمة أغراضها الذاتية والفئوية، وجرى تكريس العبث بالثوابت الوطنية ومنها الدستور، في ظاهرة خلط للأوراق وإستهتار فج، وتراجع دور النخب المنتجة للأفكار لصالح أنصاف المتعلمين، مما ولد ضعف المبادرة السياسية وإنغلاق المتصدين للعمل السياسي على أنفسهم، وجرى عمل ممنهج لهدم القيم الوطنية والأخلاقية لصالح الفاسدين والمفسدين مما نتج إنحطاط في الخطاب السياسي وتهتك الممارسة السياسية، وتفاقمت ظاهرة الترحال السياسي بين الأحزاب والقوى السياسية، تلك الظاهرة التي تمرس عليها الإنتهازيون، دون تقيد بأي التزام فكري أو أيدجولوجي أو أخلاقي، وخلال هذا كله لم يتم التجاوب مع رغائب المواطنين، وسرعان ما جرى التنصل من الوعود التي قطعت لهم في الحملات الأنتخابية، ورافق ذلك عدم إحترام الساسة لمسؤولياتهم في المؤسسات الحكومية التي يعملون فيها حيث حولوها الى بساتين خاصة قطافها للأهل والأحباب وحسب!
إن هذه الأسباب الستة هي المسؤولة مع كم آخر من العوامل الفرعية عن "العاهات" السياسية التي إستحكمت في واقعنا، الى حد بات فيه الكثيرين يفكرون برفض العمل السياسي ورفض مخرجاته، وعذرهم أن تلك المخرجات بائسة أو غير ذات قيمة، كما أن المنتج على الأرض في قطاعات الأمن والخدمات والأقتصاد والبنى التحتية والعلاقات الخارجية والبناء الوطني، لا تتناسب مع ما قدمه شعبنا للطبقة السياسية من إمتيازات ..ويوما بعد يوم تتعمق الهوة بين السياسيين وبين الشعب، وكل يوم يمر دون أن تحل العقد المستعصية، ودون أن يشاهد المواطنين ضوءا في نهاية النفق، يعتبر يوما تراجعيا .. ومن المفيد التذكير بأن شعبنا ينظر الى كل الطبقة السياسية على أنها "حكومة" ، وهو محق في ذلك لأن لجميع القوى السياسية مواطيء أقدام في السلطة، وبعضهم فيها وضدها ! لقد إنهارت العلاقة بين المواطن وكثير من القوى السياسية، ولقد بات تجسير العلاقة المنهارة صعب جدا إن لم يكن مستحيلا..
ولم يعد معظم العراقيين يصدّقون ما يُحكى عن بناء دولة. ولو كان الساسة جادّين في ذلك لما تعطل تشكيل الحكومة الجديدة كما هو حاصل الآن ، ولما تحولت هذه النقطة المركزية والمصيرية الى صراع تفصيلي: طائفي، مذهبي، مناطقي، انتخابي، سلطوي، حقائبي، وشخصي، فكيف يمكن لمن سيكلف بتشكيل الحكومة أو لغيره أن يجمع هذه التناقضات ويرضي كل الأطراف؟، ووكيف يمكن أن يكون على رأس حكومة تكاد تنعدم فيها الفوارق بين المواقف والمتاريس، وتكاد تتحوّل فيه الحكومة الى فندق خمس نجوم لا ينزل فيه سوى ممثلي أوجه الصراع، يبتسمون لبعضهم عندما يلقون تحية الصباح فقط؟ أما هموم بناء الدولة فتبقى عالقة وضائعة، وتبقى فكرة الدولة فكرة هلاميّة عائمة فوق أمواج الكلام فحسب، ولا تجد حتى هذه اللحظة من يتبنّاها فعلاً ويضعها قيد التنفيذ.
إن ما تابعناه في الشهور السبعة المنقضية هباءا منثورا ، يجعلنا نؤكد أن ميلاد الحكومة ليس قريباً إلا إذا حصلت معجزة من المعجزات، والمعجزة هنا وبصريح العبارة لا تعني سوى ترتيب خارجي لوضع داخلي، وإلا لماذا الرحلات المكوكية الى دول الجوار وغير الجوار؟ ولماذا ننتظر بشغف الطائر الميمون الذي سيحمل هيلاري كلينتون بعد أن أخفق بايدن وقبله ومن بعده أخفق آخرين؟ وإلى متى نجرّ أنفسنا في دياجير ظلمة هذه اللعبة الجهنمية؟ وهل المطلوب أن نبقى بصيغة اللادولة واللاحكومة واللاأمن واللا إقتصاد واللا خدمات واللاحياة الحالية؟ ..وهل ...أما وقد ذهب الكثير من الوقت سدى، ومعه رحل الكثير من الأحبة صرعى أخطاء الساسة والسياسة وصراعاتها، ماذا ينتظر الساسة بعد كل هذا إذن؟ ..وبعد قرابة نصف عام هل ينتظرون إنفجارا كبيرا لا يبقي ولا يذر؟ ربما هذا بالضبط ما يريدون، ربما..
وفي المشكل الأمني وتداعياته الخطيرة لا بد من وقفة نقول فيها كلمتنا ونمضي، سواء أرضت السلطات أم أغضبتها، وبدءا نؤكد أن نسبة عديد القوات الأمنية من الشرطة والجيش وباقي الأجهزة الى عدد سكان العراق هي الأعلى في كل العالم على الأطلاق، فهي قد تجاوزت نسبة 1الى 25، أي قبالة كل 25 مواطن هناك رجل أمن يفترض أن يحميهم! ووفقا لهذا المعيار فمن المفروض أن ننام وأبواب بيوتنا مفتوحة ليلا، ونمشي بطولنا ولا حشرة يمكن أن تلدغنا..غير أن ما حصل منذ إعلان نتائج الأنتخابات ولغاية اليوم شيء يبعث على الحيرة والإحباط، فقد أكتشفنا أن جيوش الأجهزة الأمنية الجرارة غير مسخرة لحماية الشعب، بل هي مخصصة لحماية النظام الحاكم، والدليل بيدنا هذه الأرتال المخصصة لحماية رجال الدولة وما أكثرهم! وإذا كان هناك نوع من إستتباب الأمن النسبي قبل الأنتخابات فمرده ليس الى قدرة الأجهزة الأمنية على بسط الأمن ومسك زمام المبادرة، بل إلى إتفاقات سياسية كبرى مع الإرهاب أبرمتها القوات الأمريكية ودفعت الحكومة للتعامل معها والقبول بها، وكان من نتيجتها أن هدأت قوى الإرهاب من لعبتها، وما لبثت أن إستأنفت اللعب بدمائنا بزخم أعلى بعد أن إنتهى مفعول تلك الإتفاقات...
اليوم تحاول قوى سياسية كبرى ممسكة بالملف الحكومي إعادة تفعيل تلك الإتفاقات، فهرولت الى دمشق للتباحث مع البعث بعلنية وبلا حياء من دماء الشهداء، بل أكثر من هذا، قامت هذه القوى وعلنا وبلا إحترام للدستور،بدعوة البعثيين للمشاركة بالعملية السياسية، ليس لأنهم يمكن أن يكونوا عناصر مفيدة لمستقبل العراق، بل من أجل الحصول على "هدنة" على الأقل تتمكن تلك القوة السياسية خلالها من إلتقاط أنفاسها، وعرض حالها على أنها إستطاعت بسط الأمن...
إن الأمن ليس لعبة من ألاعيب الساسة، وينبغي أن لا يكون، فالأمن "سلعة " مهمة وثمينة ، والحصول على هذه السلعة أو "إنتاجها" يقتضي تخلي نظام الحكم عن فكرة حماية نفسه، والتوجه نحو حماية الشعب، وعند ذاك يمكن أن يحصل النظام على الحماية تلقائيا ، وسيلتف الشعب حوله وسيقبض النظام الحاكم ثمن البسط الحقيقي للأمن ولاءا مفعما بالحب، لا بالشتائم واللعنات التي يتلقاها قادة النظام من أبناء الشعب كلما حصل حادث إرهابي...
ولقد تغير الزمن وتبدلت الأحوال وتغيرت ألوان الخريطة السياسية في البلاد. لكن هل ثمة من وضع برامجا لعملية الإصلاح الشامل التي هي منظومة متكاملة لا تتجزأ بدءاً بالإصلاح السياسي، للانطلاق من خلال بوابته نحو إرادة وطنية تتوفر لها عناصر الثبات والنفاذ حتى إنجاز الإصلاحات الأخرى، وعن طريقه يمكن بناء سياسات وبرامج اقتصادية واجتماعية سليمة؟...أن السياسات والمعالجات التي نفذت في المرحلة التي أنتهت توا، لا تدل على أن مؤسسات الدولة قد استوعبت عمقها وأبعادها، بل إنها عبرت عن قصور خطير في رؤاها، مما جعلها عاجزة في معظم الأحيان عن تلبية الحاجة لموقف أكثر شمولاً واتساعاً من منظور خلق وتأمين المصالح الوطنية.

[700: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني