عن الفيتو وصراع الديكة وأشياء أخرى
قاسم العجرش
2010/09/12

نتذكر رد سماحة السيد عمار الحكيم على بايدن في زيارته السابقة، حين قال له بان "من الخطأ النظر الى التيار الصدري عام 2010 بعيون عام 2005 ". يومها كان بايدن يريد إستبعاد التيار الصدري من المشاركة بالحكومة القادمة، وهذا عمليا رتق صغير لفتق كبير..مما يعني بالنتيجة إستبعاد الإئتلاف الوطني العراقي برمته منها وحصر الأمر بشراكة لتقاسم "غنائم" السلطة بين "دولة القانون" و"العراقية"،متناسيا أن المجلس الأعلى والتيار الصدري ليسا حليفين في تكتل سياسي، بل أنهما التوأم الطبيعي الذي أنجبته المرجعيات المجاهدة، ولا يمكن أن يكونا إلا معا.. لقد كان المشروع البايدني ينظر الى الأمور من أضيق زواياها، وكان محكوما بعقد ذاتية وترويجات لأفكار وأوهام عن حكومة لا تلبي المصالح الأمريكية في حال أسندت رئاستها الى أحد قادة الإئتلاف الوطني.
ومع أن للزمن إستحقاقاته وإنعكاساته، ومع أنه كان من المؤمل بناء حياة سياسية مستقرة خلال سبع سنوات مضن، إلا أن أغلب القوى السياسية لم تتغير لا شكلا ولا مضمونا، وبالتالى لا نتوقع منها سلوكا مختلفا، وتلك القوى كشخصيات اعتبارية مثلها مثل الشخصيات الطبيعية تتكون من صفات موروثة واخرى مكتسبة،وعلى هذا الأساس فأن سلوكياتها تشكلها التركيبة الشخصية لقادتها.وقد درجت "القيادات السياسية" ـ إن إستحقت هذا التوصيف فعلا ـ على سلوك واحد منذ التغيير النيساني الكبير عام 2003، فعلى الرغم من أن هناك خارطة طريق منصوص عليها في الدستور ولديها أكثر من مصفوفة زمنية لانجاز التحول الديمقراطية .. غير أن هناك صراع ديكة حول انجاز هذه المهام ... والى جانب هذا الصراع، هناك قوى سياسية نافذة بأقوالها وأفعالها لا تريد الالتزام، فهى اما ان تحكم او تعمل على تقويض الحكم ديمقراطيا! وحتى إذا حكمت فهي اثناء حكمها لا تفعل شيئا سوى التصارع فيما بينها.. نعم هناك اتفاق "نظري" حول أهمية التحول الديمقراطي.. لكن الديمقراطية لا تأتي من فراغ فهي تحتاج إلى تجويد بالممارسة والاستمرارية .. أضف إلى ذلك أن هشاشة التركيبة السياسية والاجتماعية لها إفرازات ضارة كثيرة ..
ومع أننا انا لا ننكر على الاحزاب حقها فى الوصول الى السلطة، ولكن يجب ان يكون ذلك عن طريق ممارسة راشدة طالما ان الفرصة متاحة وان تبدأ الاصلاح بنفسها.فليس من المنطقي هذا الذي يحصل بلا أدنى شعور بالمسؤولية نحو الشعب وتطلعاته، أو إحترام للدستور وإشتراطاته، أو للزمن وإستحقاقته، لقد مارست قوى سياسية معروفة كل أساليب التجاوز ولكن في نهاية المطاف ستكون تلك القوى مرغمة على قبول الإستحقاق الوطني وعدم التمسك بإفتراضات قادتها التي لا تخلو من تطلعات شخصية منحية إستحقاقات الشعب جانبا..لقد أنفق وقت طويل وثمين على المماحكات السياسية، ويفترض بعد بيان لإئتلاف الوطني الذي رشح بموجبه الدكتور عادل عبد المهدي الى رئاسة الوزراء أن يقبل باقي الشركاء السياسيين، سواء في التحالف الوطني، أو باقي الكتل السياسية بهذا الإختيار الذي يحمل عوامل قوته معه،
وفي ظل قناعة شبه تامة بأن التحالف الكردستاني سيدعم عبد المهدي بقوة لعاملين أولهما العلاقة الكفاحية التأريخية التي تربط المجلس الأعلى بالكورد،وثانيهما أن السيد عادل عبد المهدي يتوفر على حزمة شبه متكاملة من مواصفات رجل الدولة بسمات عراقية وطنية عريضة، كما أن القائمة العراقية ستبدي موقفا أكثر مرونة حياله في ظل رفضها المتواصل لتولي المالكي رئاسة الحكومة رغم كل الضغوط والمساعي التي كان بذلها نائب الرئيس الأميركي جو بايدن لتحقيق الشراكة بين علاوي والمالكي
ناهيك عن أن ملاحظة أسلوب عمل السيد عبد المهدي خلال السنوات المنقضية أثبت أنه بعيد كل البعد عن الشخصانية والإستفراد، أو سياسة المحازبة وتقريب عناصر مكونه السياسي، وهكذا فإن العقد بدأت كما لو أنها ستحل ، وأن الطريق الأقرب لحصول الانفراج السياسي الذي ينتظره العراقيين بصبر عجيب، هو التماهي مع الرغبة في ترشح عبد المهدي ما دام يحظى بموافقة كل من الائتلاف الوطني والتحالف الكردستاني، والعراقية التي سيكون موقفها مرنا، ناهيك عن تحقيق رغبة اقليمية في هذا الاتجاه، بالتالي ستأخذ الحوارات بين الكتل مسارا أقل تلكؤا مما سبق، وفي ظل هذه التحولات فإن في الأفق حكومة.
وفي غمرة التجاذبات والحوارات والتفاهمات ثم المناكفات بين القوى السياسية العراقية، يتصاعد جدل عقيم يتمحور حول إفتراض أن لهذه القوة السياسية أو تلك، حق تعارف عليه بحق "الفيتو"، يستخدم لمنع تولية الأشخاص الطبيعيين المناصب الحساسة، أو تكليف هذه القوة السياسية أو تلك، بقيادة مفصل من مفاصل الدولة عبر ممثليها ووفقا لأستحقاقات إنتخابية أو وطنية أو تاريخية..ومع أن الدستور العراقي يخلو تماما من أي إشارة ولو عابرة لمثل هذا الحق المفترض، إلا أنه مطروح بقوة منذ أن بدأت عجلة الديمقراطية دورانها في عراق مابعد جمهورية الأستبداد البعثي الصدامية، ومن المفارقات أن مثل هذا "الفيتو" علامة على إستمرار ثقافة الأستبداد السياسي، وإلا فإن الآليات الدستورية للتداول السلمي للسلطة يعرفها الجميع، وهي واضحة ولا تحتاج الى أدنى جهد لهضمها وهضم نتائجها، ناهيك عن ما أشرنا أليه من عدم وجود نصوص قانونية تتحدث عن "الفيتو" المزعوم ، وفوق هذا وذاك فإن فكرة "الفيتو" تؤسس لمشكلات متسلسلة تبدأ ولا تنتهي، بدأ من خرق الدستور، ومرورا بتولية أشخاص غير كفوئين، وشيوع ثقافة الإقسار وطرق لي الأذرع وخطابات التأزيم والتشنج والمواقف المرتجلة وغير المحسوبة، وبما يحول العملية الى هيكل فارغ من محتواه الجماهيري، وكل هذه المحطات تشكل محددات ومحبطات للعملية السياسية وتنسف مبادئها وتخرب مخرجاتها وتنتج ذائقة توزيع المغانم وتخوين المقابل..وأمامنا أمثلة كثيرة تؤكد ما ذهبنا أليه، وتؤيد فكرة أن "الفيتو" هو بالحقيقة إنتهاك للمسار الديمقراطيى ، ونكوص عن ثقافة قبول الآخر بما هو لا بما يريد مستخدم "الفيتو"...إن على القوى السياسية جميعا التنبه الى مخاطر هذا المسار السقيم، و التخلي عن الترويج له نهائيا ، وهو في نهاية المطاف إغلاق لإبواب التداول السلمي للسلطة وتراجع الى نقطة أبعد بكثير مما بدأناه في نيسان 2003.....

[607: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني