القراءة الميسرة لأستحقاقات المرحلة
قاسم العجرش
2010/08/24

الأصل أن الدولة ثابتة ودائمة ولا تزول إذا لم تعصف بهاحروب أهلية طاحنة أو احتلالات أجنبية، بينما سلطتها السياسية متغيرة تتداولها القوىوالنخب الاجتماعية والسياسية عبر تنظيماتها المدنية، والمشكلة حينما تستوطن السلطةالسياسية الدولة وتحولها ملكاً لها بالاستبداء والإقصاء والمحو، حينها تغيب قيمةالدولة وأهميتها المصيرية، ويتحول الصراع في لحظة مظلمة من صراع حول مستقبل الدولةالى صراع لهدم الدولة. وكأن الأمور أصبحت شفافة أمام ظاهرة الصراع على مستقبلالدولة الراهنة، فما يحدث اليوم وما هو منتظر اكبر من نزاعات سياسية عابرة وأكثر منحراك محلي. والصفحة الأولى من المشهد العراقي المؤلم أن كل ساسته مشغولين بمن سيكون رئيس الوزراء؟.. وليس في الأفق أجابة محددة للسؤال،..والصفحة الثانية من المشهد ذاته: تدهور خطير بالأمن وصل الى حد سيطرة العصابات الأرهابية على الشارع بأستهدافها شرطة المرور، وتضارب رسمي في تحديد مستوى جاهزية قواتنا بعد انتهاء "المهمة القتالية " للقوات الأمريكيةـ وهو مفهوم جديد ربما لا يعني الأنسحاب ـ ، فرئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة يقول أننا جاهزون، ورئيس الأركان الفريق زيباري يقول أننا جاهزون ولكن بحلول عام 2020! وتراجع الى نقطة الصفر بالخدمات الى حد فقدان الساعة اليومية الواحدة من تجهيز الكهرباء، وأنهيار مؤسسي يقضم أجهزة الدولة التي تدار إرتجالا وبدون شيء أسمه تخطيط ، والصفحة الثالثة من المشهد هي الحل وفقا لخريطة طريق تستند إلى شراكة كل القوى السياسية، وترسيخ مفهوم أن من حق الجميع ان يكون شريكاً في ادارة الدولة وليس الحكومة.. وليس هنالك الا سبيلين للحل، هما اما ان ينتهي اخواننا في دولة القانون من حديثهم مع القائمة العراقية ويعودوا الى التحالف الوطني وينتخبوا من يمكن التوافق عليه، او ان الأئتلاف الوطني يرتب اموره ويتحالف مع الأخرين وبالنتيجة يؤسسون حكومة، والشروع بمعالجة المشاكل الخطيرة التي تفاقمت خلال هذه الفترة. واذا قدر وأن أتفقوا في هذا الشهر كما صرح بذلك اللاعب الأمريكي، فسنحتاج عدة اشهر أخرى حتى نرى عجلة الحكومة الجديدة تدور وتعمل، مما يعني ان سنة قد قضمت من عمر الحكومة وانتهت منذ البداية . فهذا العراق وهذا الضيم والعراقيين ما ارتكبوا ذنبا يستحقون عنه هذا الضيم، وذنبهم الوحيد انهم اتجهوا الى اناس لا يعرفون تكليفهم الشرعي وتكليفهم الوطني ، بل يعرفون تكليف الكرسي فقط وكانت النتيجة مع الأسف إنتخاب الذين يعرفون تكليف الكرسي ،وتكليف الكرسي يأخذ ولا يعطي قط .. .

اليوم بغداد تشهد صراعا تتحول فيه الخلافات السياسية الى صورة الحربالمعلنة، وفي صور أخرى الى انقسام في السلطة والسيادة المنقوصة وفي أخرى فراغ فعليفي السلطة، و ستكون هناك صراعات عميقة حول مستقبل السلطة والشرعية والاستقرار خلال السنواتالقليلة القادمة، وثمة كرة من اللهب وليست من الثلج تتدحرج تحتوي على أنماط منصراعات ونزاعات داخلية تعبر عن اختلالات متفاقمة في علاقات القوى السياسية العراقيةمع بعضها البعض، تترك خلفها حرائق سياسية واقتصادية واجتماعية لا تكاد تخمد في مكانحتى تشتعل في مكان آخر. الأزمة الصراعية تزداد عمقا وكلما قيل إن الأوضاع تميل الىالتهدئة تنفجر أحداث من نمط متكرر في مكانآخر..

النزاعات السائدة توضح أحد مسارات الصراعات القادمة،والمتوقع أن تدور حول عنوان عريض مفاده الصراع على مستقبل الدولة الوطنية، أيالصراع داخل المجتمع السياسي والمجتمعات الأهلية التي أكتشفنا أنها غير مندمجة بمايكفي أن يطلق عليها (المجتمع

العراقي)، بينما سيكون محرك هذا النمط من الصراع عدمالتفريق بين الدولة وسلطتها السياسية، أو النزاعات العاصفة والمفتوحة على كلالاحتمالات، وما لم يجر تصحيح للدستور وتصحيح مقابل لنمط السلطة والنظام السياسي الجديد الذي ثبت أنه يحتاج الى تعديلات جوهرية مثل أنتخاب رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية من الشعب مباشرة، وعدم ترك ذلك للمناورات السياسية العقيمة، سنشهد نزاعات أكثر عصفا ربما تطيح بالعراق وبمستقبله كبلد قائم نهائيا.

البمعوث الأمريكي فيلتمان، جاء بفكرة تقاسم الصلاحيات، حيث تتحول رغبة العراقيين بحكومة ((شراكة وطنية)) الى ((شركة مساهمة)) بكل ما يعنيه معنى الشركة التجاري من تفاصيل..فأذا تم قبول مافكرة فيلتمان، فستتوزع السلطة الى "أسهم" تحدد قيمتها حسب الثقل السياسي "للمساهمين" والثقل السياسي ليس الثقل الأنتخابي، بل هو شيء هلامي تحدده عوامل عدة، من بينها قوة صلات هذا المساهم أو ذاك بهذا الطرف الدولي أو ذاك الأقليمي، مما يفتح الأبواب على مصاريعها لتدخلات خارجية سوف تبدأ ولن تنتهي، ناهيك عن أن سلطة مكونة على أساس "الشركة" تعني أن كل "مساهم" سيكون همه نيل المكاسب وليس العطاء، وستكون السلطة ميدانا للشكوك وعدم الثقة الذي يمكن أن يتفجر في أية لحظة الى أختلافات، سرعان ما تتحول الى خلافات، ثم تناحر قابل الى أن يصير عنفا بالنظر لتجربة القوى السياسية العراقية الثرية بالعنف ونزوعها اليه كحل للمشكلات مع الخصوم السياسيين بدلا من الحوار...

إن حل تقاسم السلطة سيؤدي الى سلطة هشة ضعيفة قابلة للموت في أية لحظة، أو أنه سيؤدي الى أن تتحول السلطة المنشأة بموجبه الى سلطات متعددة كل سلطة تريد أن تثبت مساحة وحدود منفصلة عن الأخرى سلطة متعارضة مع السلطة الأخرى ومناقضة لها..أنه بالحقيقة حل تدميري تفتق عنه العقل السياسي الأمريكي الذي يبدو أنه ينظر الى الساسة العراقيين كقاصرين محتاجين لألف باء السياسة وللتوجيه والرعاية، وهو بالنتيجة حل يؤسس للشمولية مجددا ، والتجارب العالمية تفيد أن الشمولية والديكتاتورية غالبا ما تنمو في رحم الديمققراطية التجريبية..وها هو فيلتمان يحول العراقيين الى حقل تجارب..والذنب ليس ذنبه ولكن الساسة العراقيين بنرجسيتهم وشخصانيتهم ونزوعهم نحو المكاسب الشخصية والفئوية والحزبية ، وسيادة عقلية التغالب لديهم، قدموا لفيلتمان حقلا مجانيا يجري عليه تجاربه السياسية ليتعلم "الحجامه برؤوس اليتامى"....

ونتيجة التدخلات الخارجية في مسألة تشكيل الحكومة عقدت الوضع وأخذته بعيدا الى جبال عصية، وبات من العسير تخيل حل في الأفق، وربما هذا هو بالضبط ما تبتغيه التدخلات من نتيجة، لتبقي العراق تحت رحمتها بلا سلطة قادرة على التعامل مع أستحقاقات المرحلة التعامل المطلوب، وللتذكير فقط فأن من بين تلك الأستحقاقات أنه بات في مبرم الزمن تطبيق بنود الأتفاقية الأمنية الموقعة بين العراق والولايات المتحدة، ومن المناسب أن نعيد الى الأذهان أن واحدا من أهم بنود تلك الأتفاقية هو أجراء أستفتاء شعبي عليها، وكان موعد ذلك الأستفتاء في أمد أقصاه ستة أشهر من تاريخ توقيعها، أي في حوالي كانون الثاني 2010 ، أي مضت ثمانية أشهر على هذا الأستحقاق ولم يجر الأستفتاء، ومثل هذا الموضوع وأشباهه كثير من تجاوزات متعمدة وغير متعمدةعلى الدستور، مما يؤكد أن المسار الديمقراطي ليس بعافية،

وأن هناك رغبات وليس رغبة واحدة بالأجهاز على ديمقراطيتنا الوليدة وتفكيكها وسحق المنجز الكبير الذي تمثل بالخلاص من نظام القهر الصدامي..

ومع أننا لا نؤمن بنظرية المؤامرة، ولا نقول أن هناك تخطيط متعمد للوصول بقارب العملية السياسية الى ميناء القراصنة الذي وصلته هذه الأيام مع الأسف، فتخطفه قراصنة السياسة ، لكن من بين أفضل المعطيات التي بين أيدينا أن القراصنة مختلفين فيما بينهم على تقسيم السفينة وحمولتها فيما بينهم، بل أختلفوا على أي علم يرفعون عليها! وهو أختلاف وإن كان لا يبدو حسنا في الظاهر، لكنه أختلاف فتح أعين العراقيين على نقطة غاية في الأهمية، وهي أن مستقبل العملية السياسية سيشهد في مراحله القادمة غيابا مبرما وأكيدا لأغلب القيادات السياسية الحالية، والتي تأكد للشعب العراقي أنها خذلت طموحاته وبحثت عن طموحاتها الحزبية والشخصية والفئوية، وبذلك خسرت الشعب مثلما خسرت مستقبلها السياسي..

ومع ذلك فأن هناك فسحة صغيرة جدا من وقت أمام القوى السياسية وقادة الكتل بالرجوع الى خيار الشعب وأحترامه والتخلي عن عقدة "أنا الأوحد ..أنا الأصلح" وهي مرض أصيب به قائدان من قادة الكتل السياسية على الأقل

[691: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني