عندما ترعى الدولة الفساد
قاسم العجرش
2010/08/13

في العراق الآن خزين قانونيّ كبير يستهدف إعادة الأخلاق إلى الحياة العامة، من بينها صدور قانون يفرض التصريح عن الممتلكات، وآخر يختص بمحاربة تبييض الأموال. كما صادقت الحكومة المنتهية ولايتهاعلى الاتفاقية الدولية لمحاربة الفساد، ووعدت الحكومة الحالية أمام البرلمان السابق بالعمل على دعم المنظومة الوطنية للنزاهة والأخلاقيات وإعادة تفعيل هيئة النزاهة وأسنادها بمنظومة المفتش العام..
لكن، هل يصلح العطّار ما أفسدته عقود طويلة من التسيّب والعبث بالمال العام وبثروات العراقيين؟ بمعنى آخر، هل تستطيع القوانين وحدها أن تحدّ من ظاهرة نهب المال العام؟ فصدور القوانين قد لا تواكبه الإرادة السياسية الحقيقية، ولنا في قانون التصريح بالممتلكات الصادر في الدورة التشريعية المنقضية مثال، فهذا الأخير ولد ميتاً. إذ لم يتم تفعيله رغم امتلائه بالثغرات.ولم يتم الألتزام به من قبل من أصدروه، وتحداه عدد كبير جدا ممن شملهم من المشرعين، وتلك لعمري مفارقة مافيوزية ( المافيوزية نسبة الشخص الى المافيا!)، وتبيّن في ما بعد أن هذا القانون قد شرّع فقط لامتصاص غضب المعارضة الشعبية المطالبة بضرورة سنّ قانون «من أين لك هذا؟».
ويحاول القانون أن يغطّي ثغراً سابقة، فنصّ على الجزاءات المترتّبة عن التملّص من التصريح بالنسبة للفئات المستهدفة به، وهي أساساً: أصحاب المناصب العليا من رئيس الجمهورية والوزراء والبرلمانيون والقضاة. وفئات الأدارة العليا ، ورؤساء وأعضاء مجالس المحافظات كما أصبح التصريح يشمل أملاك الزوجة والأولاد. غير أن قوانين التصريح تختص بالمستقبل في حالة تفعيلها. ثم ماذا كان سيؤول إليه الأمر لو طرح سؤال «من أين لك هذا؟» على الجميع. فقانون التصريح الجديد الذي يفترض أن يدخل دائرة التطبيق، يستثني المسؤولين العسكرين والأمنيين.
ومعروف أن نهب المال العام استطاع أن يفرز سلوكيّات مشينة، غدت بنية موازية لبنى الدولة، سلوكيات عكست ما أصبح يسمّيه مناهضو الفساد من الأعلاميين وقادة الرأي بـ «الفساد المالي والأداري»، و السلطة هي ذاتها لم تعمل، بالحماسة نفسها، على فتح ملف الماضي الاقتصادي، من أجل الوقوف على الانتهاكات الاقتصادية والاجتماعية التي ترتبت عن اختلاسات المال العام وتبذير الثروات الوطنية.
والواقع أن كل فصل بين السياسي والاقتصادي هو تعسف في وجه الحقائق الكاملة. فما كان للفساد الاقتصادي والمالي أن يتم، بل ويستمر، لو لم يجد التربة السياسية المساعدة له والضامنة لاستمراريته. فالناهبون هم المسؤولون الذين استغلوا نفوذهم السياسي والإداري والاقتصادي للاغتناء اللامشروع، وهم بشكل عام النخب المدلّلة للدولة، رفعوا أجورهم إلى حد فاق حجم الميزانيات نفسها، ووظفوا سلطاتهم لعقد صفقات عمومية مشبوهة، وأخذوا قروضاً دون ضمانات بإعادتها، وجعلوا الميزانيات العامة قطاعات خاصة لإرضاء نزواتهم وإرضاء زبائنهم، وأخذوا امتيازات لم ينص عليها القانون...
نهب المال العام هو جريمة اقتصادية، والمال المنهوب هو عملية قهرية استهدفت فئات عريضة من الشعب، وبددت ثرواته، فكانت النتيجة اغتناء أقلية على حساب تفقير المجتمع وتعطيل نموه. وكما سبقت الإشارة فإن الدولة التي تعاملت خلال الفترة السابقة بمنطق «دعه يمر...»، كانت تقوم أحياناً بحملات محدودة لمحاربة التلاعبات المالية. لكنها لا يمكنها أن تتوفر على إرادة التغيير وهي كانت الحاضنة وبامتياز لبنية النهب هذه، والراعية للأقلية التي استطاعت أن توجد شبكات ضاغطة باتجاه عرقلة العدالة وأجهزة الرقابة، فترتب عن ذلك حالة من التسيب والانفلات من العقاب، ما زالت مستمرة إلى اليوم.
إن ممارسات الفساد المالي والأداري المدعمة بالفساد السياسي، يلزمها «انقلاب» يفوق مجرد الرغبة والقوانين، لأن معالجة الماضي تبدأ منه، ولا سيما إذا كان هذا الماضي لا يزال مستمراً، ولا يزال الناهبون القدامى والجدد يسيرون ضد إرادة مأسسة وتحديث الاقتصاد والدولة والمجتمع، انقلاب أيضاً على نوع من الثقافة السياسية التي غطت عقوداً طويلة من الممارسة السياسية والتي بنيت على منطق المكافآت والامتيازات والزبونية والمحسوبية...
وهذا يبدأ من استرجاع الأموال المنهوبة، والتي قدرتها الدولة نفسها بمليارات الدنانير، جزء منها هرب إلى خارج البلاد، علماً بأن تعقيد عملية التحقيقات في الماضي تثبت أنه لا يمكن إنجاز شيء بغياب قضاء مستقل.
وتوجد اليوم تنظيمات عديدةمناهضة للفساد ، لكن أهمها الهيئة الوطنية للنزاهة، وبلورت تلك التنظيمات مجموعة من المطالب، على رأسها تأسيس أخلاقية الحياة العامة واستعادة الأموال المنهوبة ومساءلة المختلسين. كما تحركت السلطة باتجاه تقديم بعض ملفات النهب الخاصة بمؤسسات عمومية أمام القضاء، ونطق هذا الأخير بأحكام تدين بعضها، وما زال يحقق في الأخرى،.وتبقى العملية مسؤولية الجميع. فالأحزاب مثلاً، وخلال الحملات الانتخابية الأخيرة، ضمنت برامجها مبدأ أخلاقية الحياة العامة. والمفارقة أن هذه الأحزاب لم تنص في قوانينها الداخلية على مبدأ التصريح بالممتلكات في ما يخص أعضاءها.

[744: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني