ما الذي يضر الساسة لو أستمعوا لصوت العقل؟
قاسم العجرش
2010/07/30

بتغيير نيسان 2003 الكبير فإن وعي العراقيين قد تقدم، وارتفع عندهم مستوى الإرادة، وتفتح الفهم وزادت ثقافة الحقوق والتمسك بقيمة الحرية والكرامة، وقطع المجتمع العراقي أشواطاً بعيدة في هذه المساحات، ولم تعد مغالطات الحكومة والساسة لشعبنا مجدية، ولا الحملات الإعلامية المكثفة كافية للتغافل عن الحقوق، واباتت لوعود لا تقنع ما لم يصدقها العمل، وقد تغري بالمطالبة أكثر مما تلهي، وقد تلفت أكثر مما تصرف. أن القيادات السياسية الباحثة عن موطيء قدم لها في الحكومة المقبلة، لابد أن تبحث عن ذلك أولاً لشعبها وليس لرموزها، ويتعين عليها أن تعرف أين وصل الشعب من وعي الذات، وماذا تغير في مستوى توجهه وإرادته واعتزازه بحريته وكرامته، وأن تحترم عمليا المكانة المتقدمة الجديدة التي صار يتبوؤها، وأن تحمل احتراماً لإنسانية الإنسان أساساً ولا تتغافل، وذلك من أجل أن تحسن التعامل مع الشعب، ويمكن له أن يتعامل معها التعامل المقبول. وعلى تلك القيادات إعادة حساباتها، بأن تطلب مودة الشعب بتغيير سياستها ومواقفها في التعامل معه، وتعترف للناس بحقوقهم وترعاها، وترفع عنهم صوت العذاب، وتكن لهم المحبة والمودة، لأن تعامل الشعب لن يكون معها إلا من جنس هذا التعامل حين يكون.إن شراء مودّة الخارج لا تغني شيئا، والتوسل بالإعلام الزائف والأقلام المأجورة والذمم الرخيصة لا ينقذ من سقوط، وكل ذلك وأضعاف مضاعفة من مثله، لا يقوم مقام نيل رضا الشعب. وهذا الرضا لم يعد الالتفاف على الحقوق والدعاية الإعلامية المكبرة، والكلمات البراقة والشعارات المغرية الفارغة، بقادرعلى تحقيقهما. ما يحقق هذه الثقة والرضا إنما هي مشاريع العدل على الأرض، والإنصاف والمساواة في العمل، والاحترام المطبق لقضية الحقوق، والاعتراف بإنسانية الناس وحريتهم وكرامتهم، وأنهم شركاء حاضراً ومستقبلاً وثروة وسياسة وأمناً وواجباً وحقوقاً.إن أي حكومة قادمة بالنظر للكم الهائل الذي خلفته سياسيات الحكومة المنتهية صلاحيتها من إحباط في قوب العراقيين، وما تسببته عشوائية أدارتها للأزمات والملفات المهمة من تراجع في طموحات وآمال العراقيين، عليها أن تدرك بأن أي حكومة تهتز علاقتها مع الشعب الذي تنتمي إليه لا يمكنها أن تعيش... إن من نصح بظلم الشعب فقد غش، ومن أشار بعداء الشعب فقد ضر، ومن لم يبدي كلمة نصح صادقة فقد خذل.
ومعلوم أن مستوى التأييد لمن وصل إلى سدة السلطة وأمسك بتلابيب مفاصلها، لا يعبر عن حقيقة الأرتباط بين السلطة وبين الشارع، كما أنه يعطي انطباعا زائفا عن مستوى التأييد الحقيقي، و معلوم أيضا أن فوز حزب السلطة و الذي يحاط بهالة رعايتها أمر مفروغ منه؛ لأن الحكومة وهي الجهاز المسيطر المنظم قد أحكمت أمرها، ووظفت كل أجهزة الدولة تقريبا لصالحها، مثلما ووُظِّف كل ذالك لصالح رأس الحكومة...وفي ظل مثل هذا التوجه فإن أشكال المعارضة رغم أنها مكفولة قانونا ودستورا، باتت ضربا من الهوس، فمعارضو الحكومة معرّضين للبطش الوظيفي الذي ينزلهم من علياء وظائفهم إلى حضيض الشارع، وللتسقيط السياسي خدمة للإستفراد الحزبي، وهو أمر تمارسه الأحزاب التي لاتؤمن بالديمقوقراطية أسلوبا لتداول السلطة، ولكنها تؤمن بآليات الديمقراطية للوصول الى السلطة، وهذا ما أتضح من فترة السنوات الأربع المنصرمة التي فضحت مثل هذا التوجه لدى قيادات من حزب الحكومة.. كما وظفت المناصب الحكومية أبشع توظيف في خدمة مستقبل (بقاء) حزب الحكومة لفترة قادمة أخرى، وهو ما سمح بتسلل العناصر الوصولية والأنتهازية الى مفاصل القرار، وأستبعاد العناصر الكفوءة.. ولقد أتضح أيضا أن الجزء الظاهر من جبل الفساد لا يمكن مقارنته بالغاطس الأعظم منه،.. وهكذا فأن الشلل كان يستسري في مفاصل الدولة، ومرت أربع سنوات كان عنوانها الرئيسي سلسلة من الأخفاقات على جميع الاصعدة..وحتى الأمن الذي تعتبره الحكومة منجزها الأكبر، هو من الهشاشة بمكان بحيث أن عصابات القاعدة والبعث يمكنها أن تطلق سراح معتقليها بأيسر السبل وقد تكرر هذا الأمر حتى صار مشهدا معتادا.. ولكي لا تتكرر (الروزنامة) نفسها، وحتى لا تضيع من عمر العراقيين أربع سنوات أخرى نتراجع فيها أربع ويتقدم العالم أربع فتكون الخسارة أثنتا عشر سنة! فأننا كممثلين للرأي العام ندعوا قيادات البلد المخلصة الى وقفة مسؤولة أمام الشعب وأن تختار من هو قادر على قيادة سفينة العراق من غير من جربنا أدائهم الذي وصفناه...
وثمة دواع مطلوبة لفتح الأبواب الموصدة لمن يريد أن يُسمع صوته، وذلك بخلق أجواء صحية نظيفة لحياتنا لاستنشاق الهواء النقي ،وبأن نعمل على مد جسور القوة والمنعة لنستظل بظلالها الوارفة ونمضي على دربنا آمنين غير آبهين بالأشواك التي قد تنبت في طريقنا السوي المستقيم.. إننا بحاجة في ظل تفشي حالات بالسير في الطريق المجهول، إلى وعي وثقافة للقبول بالرأي والاعتراف بالآخر وعدم التخندق وراء متراس التخوين والتجريم والإلغاء وسوء الظن بالآخرين, وهناك ضرورة قصوى لاعتماد التهدئة في الخطاب السياسي من أجل إبقاء الساحة الداخلية ضمن دائرة الاستقرار.وأن يقدم الجميع تنازلات متبادلة في مسألة تشكيل الحكومة، معتبرين أن هذه التنازلات تصب في مصلحة الوطن والمواطن العراقي الذي يخشى فصولاً جديدة من الإنقسام والتوتر.. ففي الأجواء المسمومة يغيب سلوك الاتزان والعقل, كما أن الحكمة والمسئولية تكون في إجازة قسرية أمام الاستفراد والاحتكار والإقصاء والفوضى .. فما الذي سيضر لو فتحنا صدورنا واستمعنا بإصغاء للعقلاء وغلبنا صوت الحق والمنطق والخير ؟ إن عملية إعادة بناء الدولة القوية تفرض على الجميع مشاركة بناءة لاسيما في هذه المرحلة التي لا يجوز لأي فريق أن يختلف أو يعتبر نفسه غير معني في وضع المداميك الوطنية الصلبة التي من خلالها نصل جميعا إلى بلد يسوده الأمن والأمان. وهذا يتطلب بدءا ضبط إيقاع الكلام على عوامل التهدئة وإشاعة أجواء الوفاق، لتبريد اجواء الاحتقان والتوتر السياسي السائدة في البلاد، والتوفر على القليل من الوعي للمخاطر الدولية والاقليمية الكبرى، وقليل من التواضع السياسي لعلّه يوفر على العراق والعراقيين السير مجددا في طريق الآلام..

[619: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني