في الذكرى السنوية لرحيل الأمل: ذائقة بطعم الشهد
قاسم العجرش
2008/07/03

تتصاعد هذه الأيام وتائر الاستعدادات التي تقوم بها مؤسسات المجلس الأعلى الإسلامي العراقي والجماهير المؤمنة التي لم تهنأ بمقدم شهيد المحراب آية الله العظمى السيد الشهيد السعيد محمد باقر الحكيم (طيب الله ثراه الطاهر) بعيد تحقيق ما عمل عليه لسنوات طوال بايداع صدام ونظامه في خانة المنبوذين من سجل التاريخ الذي دنسته طغمة الأشرار البعثيين, فهوى نجما متلألئا ليستقر الى الأبد في ذاكرة العراقيين واحدا من اكثر شهداء العراق رمزية ومكانة  ، و تتخذ هذه الاستعدادات هذه السنة طابعا خاصا اكتسبته من الظروف التي تمر بالبلاد وهي ظروف بالغة التعـقيد كان الشـهيد قد استشرفـهــا، فتوقعها وحذر منها أو طلب الاستعداد لها، ولعل الشهيد كان من القلائل الذين حباهم الله بهذه المكنة، فلم يبخل بها بل وظفها في خدمة قضية شعبه التي أرسى لها قاعدة عريضة من المؤسسات والفعاليات التي تدين بوجودها له، استنباتا ونموا ورعاية وتخطيطا ومتابعة، وصلت إلى أدق تفاصيل العمل اليومي، هذه القاعدة التي تستحق ان توصف  بما يليق بها من اسم وهو ( خط شهيد المحراب  ) والتي لا تتكون فقط من المكونات الرسمية للمجلس الأعلى، ونعني بها منظمة بدر ومؤسسة شهيد المحراب للتبليغ الإسلامي وحركة حزب الله وحركة سيد الشهداء و( المجلس الأعلى) بأجهزته التعبوية بما هو  مكون من المكونات التي اشرنا إليها،وحركة الوفاء لتركمان العراق وتجمعات وحركات اخرى لأتباع مذهب اهل البيت عليهم السلام تعمل في صفوف الكرد الفيليين والشبك والتركمان وسائر العراقيين،  بالإضافة الى شخصيات علمائية وظفت علمها جهاديا فكانت بحق مثابات بارزة في هذا الخط. بل ان هناك قاعدة عريضة من أتباع المرجعية المباركة والتي ينتظم بعضها بالمفاصل التقليدية للعمل الشيعي التي تكونت عبر تراكم التجربة الجمعية لهذا العمل على مر القرون، والتي يمكن اعتبارها المؤسسات الأم للنشاط التعبوي الشيعي وحفظت المذهب بديناميكية عالية لقرون طوال، ونقصد بها التجمعات والمواكب الحسينية والحسينيات والجوامع، و مع ان السواد الأعظم من أبناء المذهب وجلهم من إتباع المرجعية المباركة خارج إطار العمل المنظم غير ان بعض المناسبات الدينية التي تتسم بشعائرية كبرى أو مميزة ذات طابع خاص تشكل نوعا من الإطار التنظيمي الشعبي. هذه القاعدة العريضة والتي لا تخلو خطبة من خطب شهيد المحراب (قدس سره ) دون أن يكون قد أشار إليها،  موصيا بتوجيهها الوجهة السليمة وصيانتها من أن تنفذ إليها الأ فكار والرؤى المنحرفة، و قد كان قد ترجم هذه الوصايا إلى مؤسسة كبـرى حمـلت اسمه الشـريف عقب استشهاده، ونعني مؤسسة شهيد المحراب للتبليغ الإسلامي، أو راعيـا لها مـن خلال اعتنـاءه بالمؤسسات الشعبيـة    ـ الموا كب ـ الروابط ـ الحسينيات ـ مجالس العزاء وغيرها، وتوج الشهيد عمله بان قدم الأمثولة على رعايته لفعل الأمة في يوم العاشر من محرم الحرام بقراءته لمقتل أبي عبد الله الحسين عليه السلام صبيحة ذلك اليوم ولسنين طوال.
نقول إن هذه الاستعدادات التي يتعامل معها البعض ميدانيا على أنها ( واجب ) ينبغي إنجازه بمحبة ووفاء لكن بمفهوم الواجب الوظيفي هو فهم قاصر، وبعيد كل البعد عن ( الواجب ) بما هو تكليف شرعي، والمقصود بالتكليف الشرعي هنا استلهام المناسبة ـ على فجائعيتها ـ للنهوض بعمل اكبر يصب في اتجاه إدامة زخم العمل الإسلامي وتحويل المناسبة إلى سلسلة من الفعاليات المخطط لها والمفضية الى صيرورات منتجة تراكميا و محصلات ميدانية، يمكن تلمس نتائجها على ارض الواقع، ان أفكارا كثيرة يمكن تداولها في هذا الصدد ومعظمها لا تسير وفقا للأنماط التقليدية من العمل التعبوي، وبعض هذه الأفكار مخرجاتها تثمر ثمرا لا يمكن جنيه بأمد قصير كما هو ناتج عن التجمعات الجماهيرية الكبرى مثلا، فمع ان التجمعات الجماهيرية الكبرى ـ سيما المنظمة منها تنظيما منسقا ـ ستكون لها نتائج مهمة، لكنها نتائج آنية سرعان ما تتلاشى في خضم ما سيتبعها من نشاطات أخرى، وهي وان تقدم رسائل مهمة موجهة بالاتجاهات المرسلة اليها وتفعل فعل مدهشا، لكن الخشية من ان تتحول التجمعات الجماهيرية التعبوية الكبرى الى هدف بحد ذاته، خشية مشروعة تبررها النتائج المتأتية من تجمعات مثلها، حصلت في مناسبات مماثلة تحولت الى طقس احتفالي معتاد دون ان يتحول الى عمل قطافي.
ان السنوات الخمسة الماضية أفرزت الكثير من المعطيات المحملة بالكثير من النتائج والعبر والتي لا يمكن الا الوقوف عندها ، وأول هذه الدروس ناتج عن استهداف مباشر وشرس تعرض له خط شهيد المحراب ( قدس سره ) وهو استهداف مثلث ، ضلعه الأول خصومنا التقليديين المعادين لطريق أهل البيت ( عليهم السلام ) وهم طيف واسع لكنه تحالف ضد هذا الخط الشريف لأنهم أدركوا ان فلاحه يعني نهايتهم لأن خطنا يوفر الأرضية العقائدية الراسخة بمعنى الأطروحة المتكاملة المدعمة بتجربة جهادية ثرية لأكثر من (25) عاما نابعة من اتكاء هذا الخط الشريف على فلسفة الحق التي يمثلها منهج اهل البيت عليهم السلام . وضلعه الثاني الاحتلال الأمريكي الذي يعي حقيقة أن خط شهيد المحراب ومنذ اللحظات الأولى لدخولهم العراق لن يكون الا الرقم الاصعب بالمعادلة السياسية لعمقه الشعبي وارتباطه المرجعي وثراءه الفكري وقوة عقيدته المستندة الى امتلاكه أدوات الفعل المباشرة والمجربة، أما الضلع الثالث فهم من  اتخذوا مواقف سلبية من هذا الخط الشريف لأسباب متنوعة، بعضهم كان له موقف مسبق للاختلاف الأطروحة فتصرف بتوتر لا يجد له ما يسوغه،  وبعضهم الآخر مازال يحمل بين جنباته أدران التفكير المشبعة بذاتية مفرطة ونزوع نحو الاستحواذ بآفاق ضيقة لا توائم مع متطلبات المرحلة أولا ولا تتوافق مع وحدة الهدف التي ينبغي ان يعملون عليها ثانيا، بيد ان البعض الثالث كان له موقف محير ويدعو للعجب وان كان من الممكن إيجاد تفسير له، فبعض  الذين وقفوا من الخط موقفا عدائي لا يمكن تفسيره الا بواحد من ثلاثة تفاسير اوبكلها مجتمعة، الأول أنهم خشوا على مواقعهم متصورين ان هذا الخط بما يمتلك من تجربة للتبليغ الإسلامي المدعمة مؤسساتيا بمؤسسة شهيد المحراب الحسنة التنظيم والإدارة والأداء  و بكم من المبلغين الدينيين مفعمين بنوعية عالية وموثوقة الفعل والنتائج ورجال الدين المتسلحين بالمعارف والعلوم الدينية، والثاني أنهم محملين بثقافة الكراهية للعمل الحركي والحزبي المستندة على خوف غرسه النظام ألبعثي والأنظمة السابقة له وربما يمتد الى اوائل ايام تشكيل الدولة العراقية الحديثة يوم نفي المراجع بعد ثورة العشرين التحررية التي قادوها ولم يتيسر لهم العودة الا بعد عشرين سنة غب تعهدهم بعدم الاشتغال بالسياسة، أما الثالث فهم أولئك الذين وطنوا أنفسهم طيلة خمسة و ثلاثين عاما مع النظام ألصدامي وكانت لهم صلات وعلاقات معه أساسها المصالح، وكانوا يخشون من عودته أو عودة شكل من أشكال سلطة ( الآخر ). أما الدرس الثاني فانه يتعلق بأدائنا السياسي والحكومي ، ذلك ان المصاعب الكبرى التي واجهها البلد ومازال يواجهها لم تعطنا الفرصة المناسبة لأن نقدم اداءا سياسيا مثاليا يعبر بوضوح عن أطروحتنا التي كانت هي الأخرى تعاني من عدم وضوح جوانب مهمة منها،ومن المناسب هنا تقرير ان القيادات الميدانية عندنا لم تتفاعل بصورة مرضية مع الفكر الذي تحمله وبدت صورة بعضهم مع الأسف باهتة ، وليس خطأ التذكير بان تحالفاننا السياسية التي قدمنا من اجلها تضحيات جسيمة قد أكلت من جرفنا الكثير وأضافت الى شواطيْ الآخرين ما لم يكونوا قد حلموا به يوما، إضافة الى ان أدائنا الحكومي وأداء من تبنيناهم لم يكن بالمرضي ،ان لم يكن غير موفق في بعض جوانبه و الأمثلة والمقايسات كثيرة في هذا الصدد لسوء الأداء الحكومي وتلكؤه قي الجانب الخدمي والأمني.
ان نياتنا إذا خلصت ستكون مهادا لعمل يستند على إعادة قراءة شهيد المحراب ( قد) مجددا للانطلاق الى فعل يرتبط بفكره الذي تركه فينا امتيازا ينبغي علينا توجسه فيما نخطوه من خطوات، والقراءة ينبغي ان لا تتوسل الفكر فقط بل ان تتوسل الأسلوب منارا لها وعند ذاك سيكون لاستذكار شهادته معنى له ذائقة بطعم الشهد، أما ان نتطقس الذكرى لأجل الذكرى، فذاك من حاجة المحزون ان يتذكرا.... وهو ما نفعله كل ساعة حين تعيينا السبل ونجد ان ليس أمامنا إلا استلهام تلك الأفكار  والمعاني العميقة التي خلفها فينا شهيد المحراب (قدس سره ) وأخشى ـ وهذه شهقة الم حرى اشهقها.

[760: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني