الفكر التكفيري وحتمية التاريخ! (رؤية سياسية ومعالجة فكرية)
قاسم العجرش
2008/07/02

لم ينشأ الفكر التكفيري المستند إلى الأصولية السلفية صدفة على يد منظريه الأوائل الذين مهدوا لطريق نشوئه الذي كان القاعدة الفقهية والسياسية الأولى لتأسيس المذهب الوهابي على يد مؤسسه محمد بن عبد الوهاب بالجزيرة العربية، فقد كانت هناك جذور تمتد إلى زمن أبعد بكثير من ذلك , فهو مرتبط بأطروحة ابن قيم الجوزية المرتبطة هي الأخرى بفكر أستاذه ابن تيمية وقبلها بمذهب احمد بن حنبل احد المذاهب الأربعة لأهل السنة، غير إن موضوعة التكفير تمتد إلى وقت اسبق من ذلك بأكثر من مائتي سنة وتحديدا إلى يوم صفين الذي شهد ثاني انشقاق سياسي مسلح بالإسلام على يد الخوارج بعد معركة الجمل، وقد تجاوز هذا الانشقاق حدود المعارضة الراديكالية بأشكالها المقبولة ليؤسس أول تيار سياسي متطرف في الإسلام,  ليتحول بعد ذلك إلى تيار فقهي متطرف ومن ثم إلى تيار سياسي مسلح في سابقة خطيرة لم تكن مألوفة مسبقا حتى إبان احتدام النزاع حول الخلافة، فلم تؤدي هذه المسألة إلى انقسام المسلمين رغم خطورتها فضلا عن بقاء المساجد مشتركة للجميع، ولم نر امتناع أي مسلم عن الصلاة في أي منها ناهيك عن منعه.وقد ساهمت النتيجة غير الحاسمة لمعركة صفين في ظهور أول فئة خارجة عن إجماع الأمة الإسلامية آنذاك، وهي أول فرقة مكفرة تشهدها الساحة الإسلامية البكر.
وحين نشأت تلك الفرقة لم تكن الأمة بحاجة إلى أطروحاتها الفكرية أو السياسية أو الفقهية عملياً , لوجود أهل البيت عليهم السلام وفي مقدمتهم أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)، ولان الإسلام مازال قريبا زمنيا إلى جذره الأول رسول الله( صلى الله عليه واله وسلم)، ولأن الرعيل الأول من الصحابة المنتجبين(رضي الله عنهم) مازالوا موجودين ومرتبطين بقوة بهذا الجذر وبامتداده المنصوص عليه إلهيا ورساليا، و بأهل البيت (عليهم السلام) وبالصحابة المنتجبين من جهة، ومن جهة أخرى فان وسائل وأدوات القسر الفكري لم تكن قد أخذت مداها المعروف الآن، ولم تكن نزعة التطرف العقائدي في إثبات بطلان الفرق الأخرى قد تجذرت إسلاميا كما هي عليه ألان.وليس ثمة من حلقة مفقودة في سلسلة نشوء المذاهب الإسلامية أو في تطورها باحتسابها قد قامت على وجهات نظر مختلفة بالتعامل مع النص وفهم الدليل.
ولم تقف المذاهب الإسلامية عاجزة في كل ذلك، و بغض النظر عن طبيعة اجتهاداتها وماهيتها فإن أي طرف لم يخرج طرفا أخر من دائرة الإيمان المحض. ومع أن الانقسامات وصلت إلى درجة التناقض بالاتجاهات الفكرية التي استقيت منها التوجهات الفقهية للمذاهب الإسلامية التي لم يكتمل الإطار العام لأي منها إلا بعد فترة طويلة من طرحها كآراء من مؤسسيها الأوائل.  وهي ـ أي الانقسامات ـ مسالة متوقعة في كل تيار فكري متخم بالترف الأيديولوجي الـثـر, إلا أن مسالة التكفير لم تطرح أبداً في أي جناح إسلامي لا نظريا ولا عمليا لوجود الحد الأدنى من التعايش الاجتماعي والمزاوجة الفقهية التي لم ترفع السلاح كحل للانقسامات العقائدية، أو لفرض الرأي بالقوة وإلغاء الآخر.وكان من الشائع جداً أن يقرأ طالب العلوم الدينية والفقهية من مذهب ما على فقيه من مذهب أخر.
وإذا كانت الانقسامات الفكرية والعقائدية شيئا مألوفا في مسيرة الجدل البشري، إلا إن المتنطعون وأصحاب المواقف المريبة قد وجدوا وأوجدوا ثغرة في تلك انقسامات وعملوا بدأب على تعميقها لينفذوا منها، ونشأت من تلك الثغرة فكرة الإسلام (الصحيح) أو (تصحيح)الإسلام وتطهيره من عوالق القرون الماضية فكرياً وفقهياً وعقائديا والرجوع بالإسلام إلى مصادره الأولى والرعيل الأول الذين افترضوا عدالتهم جميعاً فأسموهم (السلف الصالح) ,وكانت أداتهم الأولى لنشر نظريتهم اتهام غيرهم بالانحراف الفكري والعقائدي والابتعاد الكلي عن مصادر الإسلام الأولى، كما افترضوا وجود خلل كبير يمس جوهر العقيدة الإسلامية وهو مبدأ التوحيد الإلهي، و فسروا تصرفات المسلمين الحياتية وإن لم تتعلق بالعقائد على أنها انتشار لمظاهر الشرك بين المسلمين، وأن المسألة بحاجة لمعالجة تصحيحية فقهية أولا وفكرية ثانياً تمهيدا لرفع راية مذهب جديد يختلف عن بقية المذاهب، ملغياً إياها ، متصورا انه مذهب الحق الأوحد، ومن بين وسائل نشر هذا المذهب إن لم يكن أولها استخدام السلاح إذ لم يتخل الآخرين من بقية المذاهب عن انتماءاتهم المذهبية و الدعوة قسرا بالمذهب الجديد.وأسسوا بذلك قاعدة جديدة هي قاعدة إلغاء الآخر من خلال تكفيره وإسقاط الأصول العامة التي يعتمد عليها في تثبيت هويته المذهبية، وإن كانت تلك الأصول تحظى بقواسم مشتركة مع الفرق الإسلامية الأخرى ولا تتقاطع مع أي من الثوابت الإسلامية وفي مقدمتها التوحيد وهو جوهر العقيدة الإسلامية.
ولم يظهر الفكر التكفيري المتطرف بفعل أسبابه الموضوعية التي طرحها، ولا لحاجة الأمة إليه كما روج وتوهم ذلك صانعوه الأوائل، بل ظهر بسبب العوامل التاريخية و العقائدية المترابطة عبر قرون من التجاذبات السياسية المغلفة بغلاف فقهي، وأدت تلك التجاذبات تراكمياً إلى تمزيق الإجماع سياسياًِ وفقهياً وأوجدت أكثر من ثغرة لإرساء مفاهيم غريبة عن الإسلام وعن واقعه.و ساهمت السلطات المتعاقبة من خلال مؤسساتها الوعظية في ترسيخ تلك المفاهيم ومنها الفكر الأصولي السلفي. وشهد المسلمون آنذاك إرهابا فكريا وقسرا على أتباع مذاهب وعقائد بعينها تبنتها السلطات الحاكمة, وما منع الخليفة العباسي كافة فقهاء المسلمين من الإفتاء وحصر هذه المهمة بمالك إلا مثالاً أولياً على وسائل تسخير الفقهاء لخدمة السلطات، ونشأ خطآن: خط يشمل جميع مذاهب المسلمين وفرقهم رغم تناقضاتها ,وخط آخر خاص يتباين مع الخط الأول وهو الفكر التكفيري الذي لم يعهده المسلمين من قبل. واعتبر هذا الخط جميع المذاهب والفرق الإسلامية محل خلاف ونقد عميقين ووصل الخلاف والنقد إلى مستوى التكفير العلني واستباحة الدماء والأعراض، وقد حاول أصحاب هذا الخط إعطاء أنفسهم الشرعية الفقهية للأصولية من خلال زج أنفسهم ضمن الإطار العام لمذاهب أهل السنة (الجمهور) طواعية أو كرهاً، ليصطبغوا بصبغة الامتداد الطائفي الأكثر حضوراً في الساحة الإسلامية، وبمأربية واضحة مستغلين المبادئ الفقهية والعقائدية ذاتها التي تشترك بها الأغلبية من خلال دغدغة عقول وعواطف الجمهور بأفكار ذات طابع مشترك ظاهريا لكن النوايا لم تكن مشتركة ابدآ، لا بالطرح النظري ولا في الإمكان العملي مستغلين حالتي التشتت المذهبي والجهل المعرفي العام وإنتشار الكثير من الأفكار والمباديْ والممارسات و الاعتقادات تحت عنوان واسع وعريض (البدعة والبدع) واستغلالاً بشعاً وديماغوجياً بحرفية عالية. ورغم وجود أحاديث كثيرة مروية عن الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) تؤكد انقسام الأمة الإسلامية إلى أكثر من سبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ستكون في الجنة و (عبر عنها بالفرقة الناجية )، وتحقق ذلك واقعيا إلى عشرات الفرق والمذاهب، ورغم اعتقاد كل فرقة من هذه الفرق والمذاهب أنها هي الفرقة الناجية وتفسيرها النصوص القرآنية والأحاديث حسب هواها الإعتقادي وبما يدعم وجهة نظرها ويتناسب مع مصلحتها، إلا أن نزعة الغلو في إثبات أحقية كل فرقة لم  تكن هي الأخرى موجودة أيضا، وأقصى مدى وصل إليه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في وصف الخوارج الذين خرجوا عن طاعته وكان يومها خليفة المسلمين، ومفترض الطاعة وفقا لإجماع كل فقهاء المسلمين الذين عاصروه أو الذين أتوا بعده، انه وصفهم (بأنهم إخوان لنا بغوا علينا). ورغم اشتداد التنافسات الفقهية و الجدلية والكلامية بين الجميع، إلا إن أحداً ما لم يرتفع له صوت وإن كان خافتا بتكفير أي طرف أو فرقة أو مذهب، وكان هناك توافق، وإن كان هشاً يستمد ديمومته من نظرية إن المسلمين كالبنيان المرصوص وذلك لوجود الأسس و الثوابت التي يصعب على أي مسلم تجاوزها أو استبدالها بأسس هجينة لا يمكن لها الصمود أمام النصوص الواضحة و القاطعة سواء ما ورد بالقران الكريم أو بالسنة الشريفة، وهي نصوص من الكثرة و التواتر بحيث أضحت مسلمات يقع مخالفها في مأزق ومنزلق خطير يصعب الخروج منه بلا خروج عن جوهر الإسلام، وعلى الرغم من وصفنا لهذا التوافق بالهش لأسباب موضوعية ومنهجية، إلا انه تحت مظلة هذا التوافق كان كل شيْ مقبولا عدا مسألة التكفير التي حكمتها هي الأخرى نصوص قاطعة ضيقتها في حالات واضحة ومحددة ومحدودة جداً. وهكذا فان مسالة التكفير لم تكن مطروحة للتداول الفقهي وكان من أصعب النعوت التي يصف بها المتخاصمون والمتنافسون بعضهم بعضا هي المروق والفسق والفجور وهي صفات لا تخرج من يوصف بها من ملة السلام ولا من مظلتهم، ولم تكن فكرة التكفير مستساغة عند الغالبية العظمى نظريا وتطبيقيا إلا عند الشواذ من أصحاب الفكر السلفي الأصولي الذي تحول إلى ايدولوجية تكفيرية ومنهاج شاذ في الاستنباط والسلوك، ولذا نجد التعاطف مع هذه العقيدة متذبذباً بين القبول الحذر وبين الرفض القاطع ولم تنظر إليها غالبية المسلمين نظرة أخوية كما هي (النظرة) المشتركة بينهم وان كانت مختلفة.

مستندات الفكر التكفيري

إن الفكر التكفيري لم يستند في فلسفته إلى المنظومة الفقهية التي استند إليها أرباب المذاهب وخسر غطاءه الشرعي الذي كان من الممكن أن ينأى به عن الخروج عن الإجماع العام ضمن الإطار المقبول كحد فاصل بين الإنماء العضوي الطبيعي وبين الإنماء ألقسري المفروض بحد السيف. و لم يستند هذا الفكر إلى المنظومة الأخلاقية كدليل عمل يؤكد الطرح النظري في السعي لتصحيح المسار الإسلامي المنحرف حسب رؤية الذين قامت على أكتافهم الدولة الإسلامية وبعقولهم كانت الأمة التي تنمو باضطراد متسارع تستنير. ومع الزمن لم تكن هناك حلقة مفقودة في سلسلة نشوء المذاهب الإسلامية أو تطورها وكان ظهور تلك المذاهب في مراحله الأولى مبنياً على اختلاف في وجهات النظر بالتعامل مع النص وفهم الدليل, ولم يكن بالحقيقة هناك أي قصور بالتنظير أو استقراء الأصول والفروع الفقهية وكانت الانحرافات العقائدية في أضيق صورها. ولم تقف المذاهب الإسلامية و بغض الطرف عن طبيعة وماهية بنائها الفكري واجتهاداتها الفقهية عاجزة عن إيجاد حلول معقولة للمشاكل و المعضلات التي يواجهها أتباعها.بل أن الأتباع كانوا ليسوا أتباعا بالمعنى المتداول الآن، فقد كانوا أحرار تماما باختيار الحلول لمشاكلهم الحياتية وابتلاءاتهم الشرعية والأهم من ذلك كله انه ومع الاعتراف بوجود انقسامات متوارثة فانه لم يكن باستطاعة طرف ما إقصاء طرف أخر حتى لو ملك القوة والسلطان. لبقاء المؤثر القبلي نشطا بالمجتمع الإسلامي المتكون - مؤسسي ذلك الفكر. وكل ذلك نجده واضحا في سلوك( الإسلاميين ) من ذوي الميول التكفيرية ومنهم (الأخوان) الوهابيين الذي بعد أن استمكن جيدا في الجزيرة العربية من خلال تبني السلطات الحاكمة هناك له والتي وجدت بالفكر السلفي الأصولي ما يثبت دعائم سلطانها المستند على قوة اقتصادية هائلة نشأت عن الثروات التي تحتويها ارض الجزيرة العربية ,و المستند ايضاً على المكانة المقدسة لتلك الأرض لوجود مكة والمدينة المنورة فيها ,ولما لهذا الوجود من قدسية ومكانة اعتبارية عالية لدى جميع المسلمين. بدأت بالسعي لقطف ثمار هذه المزاوجة المصلحية بين فكر انكفائي ونكوصي أكثر منه سلفي بالمعنى التاريخي للسلفية وبين جماعة قبلية وجدت في أكمام مروجي الفكر الأصولي السلفي ما يتيح لها بسط نفوذ قوي على ارض الجزيرة العربية بكل ثرائها المادي وقدسيتها لدى جميع المسلمين. ولو ظهر الفكر الأصولي في مكان أخر من بلاد المسلمين لما انتشر واستمكن إلى هذا الحد الذي هو عليه ألان. وذلك لعدم امتلاكه الأرضية المناسبة للانتشار من الجانبين المادي والاعتباري و لكان حاله لا يختلف عن الكثير من الأفكار التي كانت تظهر غي هذا الصقع أو ذاك من بلاد المسلمين، لكن سرعان ما ينطفي أوارها إما لعدم معقوليتها ومقبوليتها أو لعدم امتلاكها الأدوات التي ترتقي بها إلى مستوىً فقهي يحولها إلى عقائد يمكن إن تتفاعل وتتطور لتجد لها معتنقين اصطلاء. وكان من قطاف هذه الملاقحة أن تناسلت الجماعات السلفية و الأصولية لتنتشر في بيئات إسلامية أخرى غير بيئة الجزيرة العربية، وبنفس الأسس التي نشأت عليها في مرتعها الأول مع تطوير الوسائل والأدوات لتحقيق أهداف ليست عقائدية أو فكرية قطعا. وكان أن ظهرت تنظيمات جديدة جسدت منهجية الفكر التكفيري وأخلاقياته بشكل فاق كل الأدوار والمراحل التي مر بها هذا الفكر منذ زرع بذوره الأولى ولحد الآن مروراً بالمراحل التي تقولب بها هذا الفكر التكفيري وصار مدرسة فقهية وسياسية وانتشر وبائيا، ليحيل العقل إلى ركام، والمعرفة إلى تجهيل، والتطلع إلى نكوص.
إن قراءة أولية للمشهد العام عراقياً وعربياً وإسلامياً وعالمياً، تجد أن هذا الفكر بعيد جداً عن أية قيمة تمت إلى الإنسانية بصلة على الإطلاق بل يتعارض و يتخالف مع هذه القيم التي بنتها البشرية عبر تراكم حضاري ومعرفي يمتد إلى آلاف السنين.وما الدمار الذي يلحقه معتنقي هذا الفكر وأتباعه بالشعب العراقي دون أن يستثني أي من مكوناته أو بناه التحتية أو ارثه الحضاري إلا دليل على السقوط التام لهذا الفكر ألظلامي، وعربيا فان أصحاب الفكر القومي وبناه السياسية المحتضرة، و بعد أن فشل المشروع القومي بالصمود أمام التوجه البشري العام للتواصل الإنساني البناء، لاعتماده على رؤى وأدوات غير قابلة للتفاعل والعطاء ومحكومة بعقد التفوق التي جرت البشرية إلى ويلات الحروب على مدى التاريخ، قد اتكأ بانتهازية مكشوفة على الفكر ألنكوصي للسلفية الإسلامية لتشابه الرؤى والأدوات وتطابق الأهداف وهو تطابق لن يعود بمنفعة حضارية لا على العروبة ولا على الإسلام بل الحق ضرراً بالغاً بالموقع الحضاري لكليهما وافقدنا نقاطا مهمة في التفاعل الإنساني الإيجابي وحوله إلى صراع حضارات وهو أمر ليس في وارد الفكر الإسلامي بأبعاده الإنسانية المتفاعلة.وبهذا فان عملية الاتكاء التي اشرنا إليها وضعت العروبة والإسلام في خانق ضيق لا يمكن الخروج منه إلا بخسائر كبيرة وجوهرية وبعملية تصحيح كبرى محفوفة بالمخاطر.
ولعل الإشكالية الأكبر الناتجة عن هذه الخلطة الفكرية المشحونة بالنواتج العرضية المرضية المنتجة للثقافة السلبية بنبضها المسموم قد وهبت كل إمكاناتها وممكناتها إلى الفكر ألبعثي الذي أوجد توليفة عجيبة من اقتناص رمزية التاريخ الجبروتية المتعكزة على الإسلام المذهبي مع فكرة عوربة الإسلام فنتج طغيان لتلك الثقافة التي أولدت صدام، فوهبته مثلما لم تهب لأحد كل عناصر الجبروت، وبالمقابل لم يوفر صدام ونظامه جهداً من اجل إذكاء نار تلك الثقافة بإضفاء المزيد من ابتكارات الرعب على فعالية الآلة الغاشمة التي أنتجته، تلك الآلة الآكلة لكل ما هو جميل ومتحضر، فاندغم بها واندغمت به فاعتاش احدهما على الآخر، وحملته الإيمانية مازالت بالأذهان وها هو نتاجها يقطع رقاب العراقيين بسكاكين صدئة. ومع إن حتمية التاريخ قد أماتت صدام إعداماً، واقتلع اسمه من ملفات الوجود، ليخرج من دائرة صنع مستقبلنا ملتحقاً بركب حقبة مريرة كان هو اعتى صناع زوابعها الدموية السوداء، فانه بقدر ما يبدو الكلام الآنف واقعياً وحتمياً أيضا فانه غير مقنع وغير نهائي للكثير من العراقيين الذين اكتوت أجسادهم وأرواحهم وأحلامهم بجحيم السلطة البعثيةـ الصدامية الساقطة، لن تلك الثقافة التي أنتجت صدام..مازالت إلى ألان تمد جذورها في الأرض العراقية سرطانيا، معتاشة على تسميم الهواء وانتهاك ملامح الثقافة الايجابية، بما فيها ثقافة الإسلام الحقة، ومنعها من أداء وظيفتها الحضارية بتقديس الخير والتطلع إلى إمام، وبانتهاء صدام كجسد قادر على القتل والتدمير لم تنته الثقافة التي أنجبته، ويجب أن لا نستهن مطلقا برماد صدام وحقبته المظلمة، لان خلف رماده هذا تكمن الثقافة التي صنعته وهتفت له بالروح وبالدم من فبل، والتي ستبقى تهتف له وتطوف حول قبره حالمة بصدام أخر بثوب قصير ولحية، ليبعث من جديد سنواته المتخمة بالقحط والعنف ألديناصوري.
إن المسلمين عموماً وأتباع أهل البيت (ع) على وجه التخصيص وهم يتطلعون إلى إمام والى المستقبل بثقة، معتنقين لمفاهيم غاية بالثراء الفكري، مفعمة بالألق الإنساني، يسعون دوماً وبإخلاص لإقامة مجتمع الكفاية والعدل على أسس من وثاقة الفكر والعقيدة وهي أسس تتقاطع بداهة مع الفكر ألنكوصي، وحين نفهم أن المسافة بين الحاضر والمستقبل باتساع مستمر، سنجد جوابا مقنعا لسؤال طالما تسائله أصحاب النوايا الطيبة، مفترضين إمكانية توحد كلمة المسلمين، ومنهم أتباع أهل البيت(ع)على أمر واحد. ففي الحين الذي نجد فيه إن المستقبل أمامنا مرهون بسعينا المشار إليه لبناء مجتمع الكفاية والعدل بأداته الحضارية، ونعني بها دولة العدل الإلهي وهو ما تنزع إليه النفس الإنسانية المجبولة على إرادة الخير للبشرية جمعاء، وهو الحل الواقعي والحتمي لما نواجهه من معضلات كبرى سببتها الأخطاء البشرية الكبرى التي أورثها لنا الماضي, نجد أن (الآخر) قد عاد إلى الماضي مفتشاً فيه عن أمل عقيم لربط حاضره ومستقبله بجدلية عقيمة بالماضي بكل موروثه المؤلم، ولم يكتف بهذا النكوص بل يريد أن يجبر البشرية كلها على أن تتبعه وتحذو حذوه. إن (الآخر) وهو يلتفت دوماً إلى الماضي كلما واجهته عقبة، معتقدا أن فيه الحل، قد تحجر تماما، ولأنه وجد بالماضي الحل فيما وجدنا بالمستقبل الأمل، فان الهوة تتعمق بين ثقافتين وبين عقيدتين وهكذا نشأ الخلاف وتعمق واتسع، وينشأ الخلاف عادة من محاولة أي  من المختلفين إجبار المقابل على مفاهيمه ورؤاه، فكانت النتيجة إن(الآخر)الذي لم يتخل يوما عن هذه المحاولة بنى وجوده على الجبروت والطغيان، ولان النظر إلى الماضي(الخاص)كحل مثالي يتطلب فيما يتطلب إزاحة ماضي الأطراف المقابلة بت وأفكارها، وهكذا تنشا الصراعات الفكرية بالحاضر لتتسع بالمستقبل.ويصبح إنكار (الآخر) للفكر والتاريخ والرمزية بما فيها الوقائع المؤكدة جملة وتفصيلا معضلة كبرى لا يمكن حلها بالالتقاء على كلمة سواء أو حل وسط، وفي كل مرة يصنع (الآخر) رموزا للجبروت والطغيان، يهب لها وجوده وتاريخه ملتفا حولها مؤلها إياها واضعا مفاتيحه بيدها متصنعا لها إلى حد التوثن بسلبية تتوافق مع نزوعه الدائم إلى الوراء.
إن الدعوة لردع صناعة الطغاة التي اعتادها الفكر المقابل بكل مؤسساته، واتخاذها أي هذه الصناعة ـ سبيلا أوحدا لنشر فكره ألانحطاطي دعوة مشروعة تتخذ مشروعيتها من الخوف من استمرار تكفين جسد العراقيين وتاريخهم وحضارتهم بالسواد الكث، وهو ما نتج عن مزاوجة العهر السياسي بين الفكر ألبعثي والفكر التكفيري. والذين يتعكزون منحني الظهور أو مرتعشي الأيدي على عصى الطائفية المذهبية لم يتعكزوا يوما لعصمة دين وإنما لتمكين سلطان الجبروت من العودة، وهو منطق لا يقبله عقل سليم، ولن يكون من السليم أن ننتظر منهم العودة عما جبلوا عليه، والتاريخ يخلو من شاهدة واحدة على سحقه الموغل بالقدم تفيد أن طاغية أو فكرا استبداديا قد تخلى عن استبداده وتحكمه برقاب البشر بمحص أرادته، والصراعات التي دارت رحاها وطحنت البشرية كلها دارت بهذا المدار. وبدلا من إضاعة الوقت في حوارات عقيمة اثبت سير الأحداث أنها مع ما تجلبه من صداع فإنها تقوي الفكر المناهض وتشرعن ما يحمل من رؤى وأساليب بالتعامل مع المعضلات التي نواجهها.وإذا كانت الديموقراطية الحديثة تعطي المقابل كما تعطينا مساحة للتعاطي فإنها ينبغي أن تقنن، ليس بمعنى القوننة بل بمعنى أن ينظر أليها كعلاج للاستبداد، وبديهي أن علاج الاستبداد يبدأ بقطعه من الجذور بعملية تغيير جذرية شاملة وحاسمة مناقضة له ومتجاوزة له وهذه العملية ينبغي أن تحسم كل الخيارات الأخرى، لا أن تنتظر، وهذا يستدعي على الأقل في هذه المرحلة عدم السماح بتنفس الفكر الاستبدادي في مناخات الديموقراطية، وعدم الاستفادة من الفسحة التي توفرها إلى تسرطن الدرنات و الجيوب الارتدادية بكل نزوعها المقيت إلى الخلف الذي أشبعنا جوعا وأكفانا.

الوسطية الفكرية انتصار للعقلانية:
نعرف إن هناك رؤية للأشياء وفقا للمنطق القديم تقوم على ركائز ثلاثة، الأول هو قانون الذاتية والثاني قانون عدم التناقض والثالث قانون أحادية الأشياء، ويعني الأول أن الشيء الذي له وجود حقيقي لا يمكن تغييره والتغير يعني فقدان وجوده، الثاني ينظر إلى الأمور على أنها ذات لون واحد و الشيء لا يمكن أن يحمل نقيضين أي لا يمكن أن يكون خير وشر في أمر واحد، الثالث يرى انه ليس هناك وسط بين نقيضين والأشياء إما حسنة وسيئة ولا مجال لثالث، ليس حسنا كله أو سيئا كله، والمنطق الحديث يناقض هذه الرؤية تماما، والأنظومة التي تربط حركة الفكر بالتاريخ وفقا لعقلانية اعتبار أن التناقض يولد تطورا والتطور ينتج تفاعلا يربط بين الفعل وردته وهو ما يعبر عنه بالحركية التاريخية، وإذا كان يسيرا على العقل البشري رفض قانون الذاتية لأنه لا ينسجم مع مقبولا ته البديهية، وإذا كانت هذه المقبولات تنازع عدم التناقض فان الذين مازالوا يعتنقون (القديم) فكرا وممارسة والذين رفعوا بموجب هذا القسر الفكري الوسطية من تداولهم العقائدي ونزعوا إلى أحادية قاتمة، مازالوا جمهرة واسعة خدعت بما يصطلح عليه بالتمثل الجمعي الذي يسلب الأفراد اختيارهم الفكري حتى لو تيقنوا من الطريق الصحيح لطغيان العقل الجماعي وسطوته على الأفراد متعكزا على مصطلح بائس عقائديا وهو تغليب المصالح، وما وصفوه بالمصلحة العامة هو بالحقيقة غلبة السلطان. 
ولعل المشكل الذي يثار هنا أن الفكر الإسلامي بما يمتاز به من حركية تربط الأشياء بمسبباتها وترى أن لكل شيء سببا وفقا للنص القرآني و الاستقراء المنطقي والموروث الفكري لأهل البيت (ع)، لابد له وهو الذي أنتج فكرة المنزلة بين منزلتين أو الوسطية بالمصطلح المتداول الآن لابد أن يضع هذه النظرية موضع التنفيذ، لينقض عمليا المنطق القديم الذي مازال يجد من يروجه ويعتنقه بل و يقسر باقي المسلمين على العمل بموجبه لينتج مجتمعا وممارسة قائمة على أحادية فكرية تعتقد أنها الصحيح الأوحد في الكون، وان هذا الكون يتعين نقضه تماما، متعارضين في اعتقادهم هذا حتى مع النص القرآني الذي تعامل مع تراث البشرية التراكمي بمقبولية رائعة، وهو ما وضع الإسلام كدين والمسلمين كشعوب في مأزق حضاري ابعد الإسلام بمسافة شاسعة عن السماحة الذي امتازت بها العقيدة الإسلامية.
إن أمامنا كأتباع طريق الحق الذي نهجناه على مسار أهل البيت(عليه السلام)، أمة وقادة ومفكرين مهمة ليست بالهينة على الإطلاق، وهي مهمتنا الأزلية منذ أن اخترنا هذا الطريق وسيلة ليس للتعبد فقط بل لبناء مجتمع تسوده قيم راسخة ومقبولة ليس عقليا حسب بل قابلة أن توضع دوما موضع التداول التفاعلي الفعلي وبصورة خلاقة مع الموجودات الحضارية الأخرى لتؤكد أن الإسلام دين الفطرة بحق.وهذه المهمة تنطلق أولا من الإيمان بأننا، وبصورة قطعية، ليس الصحيح الأوحد كما ترى الأصولية السلفية في عقيدتها ذلك، والتي نتج فكر التكفير من رحمها اللعين، كما تؤكد بعين الوقت أن عقيدتنا الإسلامية كفكر يمكنه أن يتلاقح مع العقائد الأخرى، وضعية كانت أم دينية، وان هذا التلاقح الفكري إذا ما تم تقنينه وتوجيهه سيكون مفتاحا للارتقاء بالبشرية و إشاعة العدل الإلهي، وان هذا التلاقح لا يغير من حقيقة أن الإسلام أخر الرسالات السماوية والناسخ لها، بل بالعكس تماما فانه يؤكد هذه الحقيقة، ويثبت دور الإسلام الحاكم في مسار البشرية.
إن المهمة التي وصفت آنفا بالمهمة الكبرى هي المهمة الأساس التي يتعين علينا النهوض بها بجانب تكليفاتنا الشرعية الأخرى والتي لامناص لنا من الثبات عليه وفقا لعقيدة أهل البيت (ع) لنثبت للإنسانية جمعاء أن الإسلام كمنهج للسلوك وكطريق للحياة، دينا سمحا بحق كما يوصف دوما، وان سماحة الإسلام ليست بسلاسة ومقبولية وسائل وفرائض التعبد وعلائقه فقط، بل إن سماحته تعني أن الأديان السماوية وبالمقدمة منه الإسلام، عقائد إلهية أوجدها الباري عز وجل لضبط سلوك الإنسان والإنسانية للوصول إلى توازن يحقق مغزى وجود الإنسان كأفضل المخلوقات على الأرض ليبني مجتمعا قائما على العدل، وتعني أيضا أن الأديان السماوية الأخرى والحضارات التي تدين بها، فيها من جوانب المقبولية والحسن الشيء الكثير الذي مازال ينفع البشرية، ويصلح لإدارة مجتمعاتها في هذه الحقبة من التاريخ البشري المتسمة بالحراك الشديد و المتسارع على الأقل، بعد أن كان التاريخ يمشي وئيدا لحقب موغلة بالقدم وكان ساكنا على حد تعبير احد مفكري الغرب(ارنولد توينبي).
إن الأمة الإسلامية، وأتباع أهل البيت(ع)بالذات وهم ينهضون بدورهم الرسالي في سبيل إسعاد البشرية عليهم أن يبنوا ذاتهم الكيانية اولاً حتى يتمكنوا من أداء هذا الدور، ولن يتم ذلك من خلال عمل فردي أو مشتت، بل عبر أجهزة ومؤسسات حضارية متينة وراسخة وشرعية، تضع أسسا لعلاقات قائمة على جوهر الإسلام التفاعلي من خلال إقامة علاقات متكافئة إنسانيا، لا تستغل فيها مجموعة بشرية مجموعة أخرى أو تلغي وجودها و تهمشه، و ان تحترم آراءها ومعتقداتها وخياراتها بالحياة وكيفية تحديد مسارها الحياتي.
إن نقيضنا الإسلامي يبدو ألآن في اشد حالات انعزاله عن حركة التاريخ، وعلى العكس مما دخل في روع الكثيرين لضبابية الصورة وقتامتها التي سببتها وسائل القسر والإرهاب التي مارسها هذا النقيض لمدة تنوف على 1400عاما، فانه يحتضر ألان تماما، وفي مرحلة الانهيار بانهيار أدواته وانحصارها بخيار العنف الذي يعني استسلام العقائد في معارك الفكر، وان نظريته بالدين والمجتمع والحكم والسياسة لم تعد صالحة حضاريا، لأنها لم تستطع بناء حضارة، ولا تتناغم مطلقا مع حاجات النفس البشرية، ولا تستطيع التعايش مع الحضارات الأخرى، لاختلاف المضامين والأهداف، وتصادم المصالح، وان بقائها هذا الزمن كله لم يكن بسبب صلاحها، بل لأن السائد من الحضارات الأخرى طيلة ذلك الزمن كان مثيلا لها بعدم الصلاح، والشواهد التاريخية كثيرة في هذا الصدد، وهو في كل هذا يقف على مبعدة من مصالح الإسلام كمشروع الهي،
إن طرحنا للبديل الإسلامي الحضاري المتفاعل إنسانياً، وتعرية الأصولية السلفية وأدواتها الفكرية والحركية والتنظيمية، وانتزاع القناع عن وجهها الكالح، والابتعاد عن المداهنة العقائدية في إدارتنا لصراعنا المصيري معها، وتسمية الأشياء بأسمائها لا بمسمياتها، وانتهاج سبيل المنطق العلمي الرصين في إيصال أفكارنا وإيضاح عقيدتنا إلى الآخرين مسلمين كانوا أم غير مسلمين هو الطريق السليم لأداء تكليفنا الشرعي و وضع مشروعنا الإنساني في دائرة الاختيارات البشرية. وإذا كنا نسعى فعلاً لأخذ استحقاقنا البشري (كأمة)علينا أن ننهض بمهمتنا بتمامها، ونؤكد هنا على مفهوم الأمة كما وردت بالنص القرآني، أما جلادينا الأزليين من معتنقي فكر السقيفة والأحادية السفيانية فينبغي تجاوزهم وفك عرى العلاقة الاستعبادية التي جمعتنا وإياهم تحت لافتة إسلام هم منه  بعيدين بعد الثريا،ذلك أنهم يغاث التاريخ ، والتاريخ تقوده حتميات لا يمكن الحيدان عنها ومن حتمياته أن مزابله تستوعب الكناسات، وتستوعب البغاث. ومن المؤكد انه ليس ممكنا أن نبني أوطاننا المسلمة، ومنها العراق، إلا بتعميم الصورة الإنسانية المتسامحة لديننا الحنيف، من خلال إشاعة الفهم العقلاني لجوهر العقيدة الإسلامية وتنزيهها من العوالق التي علقت بها مكونة درنات فكرية شوهاء التفت حولها جماعات مأربية التفكير، فقدمت صورة متوحشة عن الدين، وفي مطالبة مخلصة منا (نحن) هي بالحقيقة محاولة لإلقاء الحجة فانه يتعين على تلك الجماعات النزول عن بغالها الطهماء، والقيام بمراجعة ذاتية نقدية كفوءة، لأنه لا حياة للفكر الديني إلا بالمراجعة المسئولة، ولا يتم التطور والتطوير ألعقيدي إلا بالتواصل الثقافي المدرك لطبيعة التغيرات الكبرى التي مرت وتمر بها البشرية، ولا سبيل للإفلات من نفق التخلف والانحطاط إلا بتجذير مبدأ المراجعة والقبول بنتائجها، وإن ترسيخ العقلية النقدية الحوارية، وتجاوز العقلية السكونية المنغلقة المغلقة، وتمثل روح العصر، والإنفتاح على المكاسب الراهنة والعلوم، لأن الحكمة ضالة المؤمن التقطها متى وجدها، وتطهير الدين من الكراهية والإكراهات، هو السبيل السليم للخروج من أزمة الخانق الضيق التي وجد الإسلام نفسه فيها بفعل استفحال الفكر التكفيري وشيوع مخرجاته.

[627: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني