بالمثابرة تنمو الديمقراطية وتتطور
نزار حيدر
2010/02/22

اعتبر نــــزار حيدر، مدير مركز الاعلام العراقي في واشنطن، ان كل هذا الاهتمام العالمي بالانتخابات النيابية المرتقبة في العراق، دليل على انها حقيقية وجدية، وهي ليست استعراضية، والا لما انتبه لها العالم، ولكان حالها حال الانتخابات الكارتونية التي تنظمها بين الفترة والاخرى الكثير من الانظمة الديكتاتورية الاستبدادية الحاكمة، لذر الرماد في العيون، خاصة في العالم العربي والاسلامي، وهي الانتخابات الاستعراضية المعروفة نتائجها سلفا.

   واضاف نــــزار حيدر الذي كان يتحدث لقناتي (العراقية) و (الفيحاء) الفضائيتين في العاصمة الاميركية واشنطن:

   ان اهتمام العالم بهذه الانتخابات مصدره دوافع متعددة، فبينما يهتم بها العالم الحر لحرصه على اشاعة الديمقراطية في المنطقة، بعد ان تبين له ان الديكتاتورية التي ظل يدعمها، ولا يزال، هي المصدر الاول للارهاب الذي يجتاح البشرية، والخارج بقرنه من الجزيرة العربية التي يحكمها اسوء نظام استبدادي قبلي شمولي، والمتمثل بسلطة آل سعود المتحالفة مع الحزب الوهابي المتخلف، تهتم بها دول المنطقة لمعرفة مديات نجاحاتها، لان اية خطوة جديدة تخطوها العملية السياسية في الاتجاه الصحيح، تزيد من قلق هذه الدول كونها ستتحول بمرور الزمن وبتراكم الخبرة التي تساهم في تصحيح الاخطاء، الى نموذج تحتذي به شعوب المنطقة على وجه التحديد، لتتعلم منه كيف تنقذ نفسها من براثن الانظمة الشمولية البوليسية التي تحكمها، والتي اذلتها وسلبت كرامتها وسحقت حقوقها واغتالت شخصيتها المعنوية.

   لقد كان العالم يحبس انفاسه كلما جرت الانتخابات في الولايات المتحدة الاميركية، التي كانت تشغل العالم بلا منافس، اما اليوم فلم تعد الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي تشغل العالم بانتخاباتها، وانما لحق بها العراق الذي يسعى شعبه بكل جد وعزيمة ومثابرة الى بناء نظام ديمقراطي حقيقي ليكون بلده واحة للديمقراطية وان كانت في وسط غابة من الانظمة البوليسية الشمولية، التي تسعى لتضليل العراقيين وتشويه الصورة الحقيقية لما يجري في العراق، ما يزيد من صعوبة المهمة على العراقيين، وفي نفس الوقت يزيد اصرارهم على النجاح.

   ولقد راينا كيف اقامت هذه الانظمة الدنيا ولم تقعدها، عندما قرر العراقيون اجتثاث من اعتبروه يشكل خطرا على العملية السياسية والديمقراطية الفتية، والحيلولة دون مشاركتهم في الانتخابات النيابية القادمة، ناسين او متناسين ان من حق اي شعب في هذا العالم ان يعمل كل ما في وسعه من اجل صيانة تجربته الديمقراطية، في اطار الدستور والقانون، الا ان هؤلاء يستكثرون ذلك على العراقيين تحديدا لحاجة في نفوسهم، يريدون قضاءها من خلال التمكين لايتام النظام البائد للعودة الى السلطة وبشتى الطرق، ليقولوا للعالم ولشعوبهم تحديدا بعد ذلك، ان نبتة الديمقراطية لا يمكن غرسها في المنطقة، في العراق على وجه التحديد، فهي غريبة عن هذه الارض وعن تراثها وتاريخها وثقافتها وشعوبها.

   ولقد حاول هؤلاء التشكيك بشفافية العملية الانتخابية المرتقبة، والطعن بمصداقيتها، الا ان وقفة العراقيين النبيلة التي عبرت عن توقد ذاكرتهم التي لا ينطفئ نورها، اسقطت كل هذه الرهانات، لانهم ثبتوا وتمسكوا بمواقعهم ولم تتزحزح اقدامهم قيد انملة عن الحقيقة التي تتطلب الارادة الوطنية الحرة والقوية، بالرغم من كل الضغوط التي مارستها كل الاطراف المغرضة والمضللة كالادارة الاميركية التي خسرت هذه المرة لانها لم تحسب خطواتها بشكل سليم بسبب التضليل الذي مارسه حلفاءها في المنطقة خاصة الانظمة الحاكمة في الجزيرة العربية والاردن ومصر، ما شوه الرؤية واعمى البصيرة.

   ويتساءل العراقيون، لماذا يحق لشعوب الارض ان تحمي نفسها وانظمتها الديمقراطية بكل السبل والوسائل، ولا يحق ذلك للعراقيين؟.

   في عام 1996 عينت ملكة بريطانيا، السيد (جان لون روي) ممثلا خاصا لها في مقاطعة (الكبك) في كندا، باعتبارها الحاكم الاعلى لهذه الدولة، اذ ان لها ممثلا خاصا في كل مقاطعة كندية، والسيد روي، كما يعرفه الكنديون انفسهم، شخصية مثقفة فهو كاتب واديب معروف.

   لم تنقض على تعيينه من قبل الملكة اياما معدودة، حتى ظهرت في وسائل الاعلام صورة للسيد روي تعود الى ايام زمان، وتحديدا الى العام 1945 عندما كان شابا في ربيع عمره، وقد ظهر في الصورة واقفا على الرصيف يتفرج على تظاهرة خرجت تجوب شوارع (كيبك) تمجد بالنازية في اوج قوتها ابان الحرب العالمية الثانية.

   في اليوم التالي من ظهور هذه الصورة في الاعلام، قامت قيامة الكنديين، اذ اعتبروا الصورة دليل على دعم او على الاقل تعاطف ممثل الملكة مع النازية، في مطلع شبابه.

   ظهر السيد روي في الاعلام وبذل كل جهده ومساعيه لتبرير الصورة، ونفي تهمة تعاطفه مع النازية، على اعتبار انه لم يظهر في الصورة مشاركا في التظاهرة يسير مع المتظاهرين مرددا شعارات (بالروح بالدم) وانما واقف على الرصيف جانبا يتفرج عليها من باب الفضول مثلا، او الاطلاع او اي شئ آخر، الا ان الشارع الكندي لم يقتنع بكل تبريراته التي دعمتها بيانات وتصريحات جاءت على لسان رئيس وزراء المقاطعة، السيد بوشار، ورئيس وزراء كندا شخصيا، السيد جان كريتيان، ورئيس بلدية مونتيريال السيد بيار بورك، تمجد بالسيد روي وتنزهه وتبرئ ساحته، ومع كل هذا وذاك، اضطر ممثل المكلة الى الخروج على الشاشة الصغيرة باكيا منتحبا، ثم اعلن انه يقدم استقالته من موقعه الجديد احتراما لمشاعر الناس الذين طعنت صورته بمشاعرهم الحساسة والرقيقة.

   ان مثل هذا الموقف يعتبره العالم اجراءا حضاريا وانسانيا ودستوريا مشروعا لحماية الديمقراطية في كندا، اما اجتثاث ايتام النظام البائد في العراق من الذين لا زالوا يخرجون على العراقيين كل يوم يمجدون بالماضي الاسود ويبررون اعماله الاجرامية ويدعون الى القتل والتدمير، من خلال الظهور المتكرر في مختلف وسائل الاعلام، خاصة على الفضائيات، فان (جيران) العراق ومعهم بعض دول العالم المتحضر، وللاسف الشديد، يعتبرونه طعنا في الديمقراطية وهم (الجيران) الذين لا يعرفون معنى الديمقراطية ولا يميزون بين ناقتها والجمل.

   والان، وبعد ان يئس الجميع من امكانية مشاركة ايتام النظام في الانتخابات القادمة، ما يعني اغلاق الباب بوجه كل الذين راهنوا عليهم لتخريب العملية السياسية من الداخل، راحوا يبذلون كل مساعيهم من اجل التقليل من نسبة المشاركة في الانتخابات المرتقبة، بالترغيب تارة وبالترهيب اخرى والتشكيك تارة ثالثة، ولذلك فان على العراقيين، اينما وجدوا، ان ينتبهوا الى هذه الخديعة، ليشاركوا في الانتخابات بكثافة منقطعة النظير، لان العزوف عن المشاركة يحقق هدف اعداء العراق من الذين ينتظرون مثل هذه النتيجة للطعن بشرعية النتائج وبمصداقية صندوق الاقتراع.

   اسقطوا رهاناتهم بالمشاركة والحضور عند عتبة صندوق الاقتراع، فبالاصبع البنفسجي نهزم الارهاب والطائفيين والعنصريين وايتام النظام البائد واللصوص والفاسدين والفاشلين، وبه نغير معالم العراق الجديد نحو الافضل والاحسن.

   بالاصبع البنفسجي نبني مستقبل ابناءنا، وبه نحمي حريتنا وكرامتنا، وبه نحسن اوضاعنا المعيشية، وبه نصون عرضنا وشرفنا والوطن، وبه نتداول السلطة سلميا، بعيدا عن لعبة السرقات المسلحة (الانقلابات العسكرية) ولغة التهديد والوعيد والتخوين والتسقيط والقتل والاغتيال.

   ان من يفكر بالعزوف عن المشاركة في الانتخابات ينطلق من فهم خاطئ لاساس العملية الانتخابية، بل ولاساس الديمقراطية ذاتها، فهؤلاء يتصورون بان الديمقراطية يمكن ان تتحقق بين ليلة وضحاها، ولانهم شاركوا في الانتخابات الماضية ولم يتحقق ما كانوا يصبون اليه، او لم يتغير شيئا، فلذلك ما الداعي اذن للمشاركة مرة اخرى؟.

   ان هذه الطريقة من التفكير قاصرة ولا تنم عن وعي حقيقي بالامور.

   ان الديمقراطية كالانسان تنمو وتترعرع بالمثابرة والاستمرارية، فهل يحق للوالدين ان ينتظروا من مولودهم حديث العهد بالولادة ان يكبر وينمو ويترعرع ويشب برضعة او رضعتين؟ ابدا، ويخطئ من يتصور بان الديمقراطية التي نراها اليوم تتربع في دول العالم الحر، ولدت بيوم او يومين، ابدا، بل انها نتاج نضال سياسي وحقوقي مدني طال سنين واحيانا عقودا طويلة، ما كانت لتستقر عليها البلاد لولا مثابرة قادة شجعان واصلوا المسيرة خطوة فخطوة، الى ان انتجوا كل هذا الذي نراه اليوم.

   وللتدليل على هذه الحقيقة دعونا نطلع على تجربة بناء الديمقراطية هنا في الولايات المتحدة الاميركية، التي تعتبر اليوم اقوى نظاما ديمقراطيا في العالم، لنتتبع الخطوات التي تطورت فيها عملية الاقتراع فقط، لنعرف كيف جرى ذلك؟ والمدة الزمنية التي استغرقتها العملية، لنعرف بان السعي الى بناء الديمقراطية، خاصة في بلد كالعراق الذي ورث شعبه ارث متراكم من الاستبداد والديكتاتورية والعنصرية والتمييز الطائفي والعنف والتخلف الثقافي بسبب سياسات التجهيل وتكميم الافواه والجهل وحوار الدم، يتطلب جهدا استثنائيا ومثابرة قل نظيرها، من اجل ان يدفعنا ذلك الى الاصرار على المشاركة في الانتخابات المرتقبة، لنضيف لبنة اخرى في هذا البناء التاريخي العملاق.

   في عام 1787 ترك الدستور الاميركي مهمة تحديد الاهلية للتصويت الى السلطات القضائية للولايات، ومنح حق التصويت فقط للرجال البيض الذين بلغوا الحادية والعشرين من العمر او تجاوزوا ذلك، من اصحاب الاملاك الذين يدفعون الضرائب،ولم يمنح حق التصويت للنساء، ولا للهنود الاميركيين.

   في عام 1848 انطلقت حركة المطالبة بمنح حق التصويت للنساء، من مؤتمر حقوق المراة، الذي عقد في سينيكا فولز، بولاية نيويورك، عندما تزعمت السيدة اليزابيث كادي ستانتون، و لو كريشيا موت، مؤتمرا، لمناقشة الوضع الاجتماعي والمدني والديني للمراة وحقوقها، وقد ارسى اجتماع سينيكا فولز، الذي تم تكريمه بعد عدة عقود، بتماثيل برونزية نصبت في مكان الاجتماع، الاساس لحركة حقوق المراة.

   في عام 1869 وقع الحاكم جون كامبل قانونا اقره المجلس التشريعي الاقليمي لمقاطعة وايومينغ (قبل ان تصبح ولاية) وافق على منح حق التصويت الكامل للنساء، وبذلك منحت مقاطعة وايومينغ حق التصويت للنساء حينذاك، وما لبثت ان تبعتها في ذلك، في السنوات التالية، سلطات كل من يوتا و كولورادو وايداهو وواشنطن وكاليفورنيا.

   في عام 1780 صدر التعديل الخامس عشر للدستور الذي حضر الحرمان من حق التصويت على اساس العرق او اللون او حالة العبودية السابقة، وابطل قوانين الولايات التي تمنع تصويت السود، وساعد في فرض تطبيق نصوص التعديل قانونان هما: قانون فرض التطبيق للعام 1870 الذي حدد عقوبات جنائية تنزل بمن يتدخل بحق التصويت، وقانون القوة للعام 1871 الذي فرض اشرافا فيدراليا على الانتخابات.

   في 4 حزيران عام 1919 اقترح التعديل التاسع عشر للدستور منح المراة في سن 21 سنة واكبر حق الانتخاب، وقد تمت المصادقة على هذا الاقتراح في 18 آب 1920 وينص التعديل على انه (لا يجوز للولايات المتحدة ولا لاية ولاية فيها، حرمان مواطني الولايات المتحدة من حق الانتخاب، او الانتقاص لهم من هذا الحق بسبب الجنس، الذكورة او الانوثة)

   في عام 1924 منح القانون الفيدرالي لتجنيس الهنود الاميركيين الذي وقعه الرئيس كالفن كوليدج، الجنسية الاميركية للشعوب الاصلية في الولايات المتحدة، وقد ساعدت الخدمة العسكرية المميزة التي قدمها الكثير من الهنود الاميركيين خلال الحرب العالمية الاولى في تامين الدعم لهذا القانون.

   في عام 1944 اصدرت المحكمة الاميركية العليا قرارا ينص على عدم جواز حرمان السود من حق التصويت في الانتخابات التمهيدية، ومنح هذا القرار، الذي ادى الى زيادة في تسجيل الناخبين السود للاقتراع في الولايات الجنوبية، الاميركيين من اصل افريقي مشاركة اوسع في سياسة الاحزاب الاميركية، وقد ترافع ثير غود مارشال، الذي عين لاحقا رئيسا لقضاة المحكمة العليا الاميركية، بنجاح في هذه القضية، سميث ضد اولرايت.

   في عام 1964 حظر التعديل الرابع والعشرون للدستور على الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات اي ربط لحق التصويت في الانتخابات الفيدرالية بشرط دفع ضريبة الرؤوس او اي نوع آخر من الضرائب، وكانت 11 ولاية جنوبية قد اصدرت قوانين تفرض ضريبة على كل شخص من البالغين (ضريبة رؤوس) في اواخر القرن التاسع عشر، بهدف منع الفقراء، الذين سيكونون من السود على الارجح، من التصويت، وكانت نتيجة هذا التعديل حصول طفرة اخرى في التسجيل للاقتراع.

   في عام 1965 فرض قانون حقوق التصويت على الحكومة الفيدرالية فرض تطبيق حقوق التصويت في الولايات الجنوبية وفي اي مكان آخر تجد فيه تمييزا عنصريا نمطيا، وقد تضمن القانون عدة احكام لفرض التطبيق استهدفت تلك المناطق التي كان الكونغرس يعتقد بوجود احتمال اكبر بوقوع التمييز العنصري فيها.

   في عام 1970 حرم قانون حقوق التصويت وضع اختبارات معرفة القراءة والكتابة كشرط للتصويت، كما حدد مهلة 30 يوما كحد اقصى مسموح به لشرط الاقامة في مكان معين كي يصبح المقيم فيه مؤهلا للتصويت في الانتخابات الرئاسية.

   في عام 1971 صدر التعديل السادس والعشرون الذي حدد سن 18 بالسن الذي يصبح فيها المواطن متمتعا بحق الاقتراع، وكان الدافع لهذا التدبير ازدياد الاحتياجات ضد الحرب الاميركية في فيتنام، والتجنيد العسكري الاجباري لدعم تلك الحرب، والجدل بانه اذا كان المرء في عمر كاف يؤهله لخوض حرب من اجل وطنه فينبغي ان يكون له صوت حول حكومة بلده.

   في عام 2008 صدر قانون (الاميركيون المعاقون) والذي نص على تامين قدرة كل الاميركيين على الوصول الى صناديق الاقتراع للادلاء باصواتهم، بغض النظر عن اي عجز جسدي يعانون منه، وسوف يزداد تصويت الاميركيين المعاقين بشكل مطرد في دورات الانتخابات الرئاسية القادمة.

   ان كل مرحلة من هذه المراحل تطلبت عملا شاقا على ايدي ناشطين متفانين وقادة شجعان كرسوا جهودهم لكفاح قاس دام عدة سنوات واحيانا عدة عقود.

   هكذا، اذن، تبني الشعوب الحية انظمتها الديمقراطية، اما الشعوب التي تنتظر ان تتلمس المعاجز من اول خطوة باتجاه الديمقراطية، فلن تنجح بشئ، لانها مستعجلة، والمستعجل لا ينجح، ففي التاني والمثابرة والاستمرار فقط يحرز المرء نجاحاته ويحقق اهدافه، ولذلك جاء في الحديث {قليل مدوم عليه، خير من كثير منقطع}.

 

[497: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني