NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM
في عاشوراء عام (61 هـ) ، شهدت الأرض (كربلاء على وجه التحديد) أخطر
عملية
إرهابية مروعة ، كان ضحيتها سبط رسول الله (ص) وسيد شباب أهل الجنة ، سيد
الشهداء الإمام الحسين بن علي (ع) ، أسست للإرهاب السلطوي الذي امتد ، بمرور
الزمن ، لجماعات العنف والإرهاب والتطرف ، التي تتلبس بلبوس الإسلام وتوظف
قيمه النبيلة لتحقيق أغراضها الدنيئة ، وليحصد أرواح الأبرياء على مدى قرابة
أربعة عشر قرنا .
لقد لخص الحسين (ع) جوهر رسالته ، بقوله عليه السلام ؛ (إني لم اخرج أشرا
ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي ، أريد
أن
آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ، ومن
رد علي هذا ، أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق ، وهو خير الحاكمين).
إنه الإصلاح الذي تحتاجه الأمة كلما شهدت في حياتها إنحرافا أو زيغا عن
طريق الصواب ، أو كلما حاولت السلطة (المفروضة على الناس بالإكراه ، أو
المنتخبة من قبلهم ، لا فرق) تسخير القيم النبيلة ، لخدمة أغراض أنانية لا
تخدم الناس ، ولا تساهم في عملية النهوض والبناء والتنمية .
والإصلاح ، الذي هو جوهر رسالة الحسين (ع) ، مسؤولية ، والمسؤولية لا
يتصدى
لها المرء بالإكراه أبدا ، لأن الإكراه عنف ، والعنف مرفوض في الإسلام ، بنص
القرآن الكريم الذي يقول ؛ (لا إكراه في الدين ، قد تبين الرشد من الغي) .
وبالنسبة إلى عهد الحسين (ع) ، فإن الانحراف الذي كان بحاجة إلى
الإصلاح ،
تلخص في ثلاثة مستويات :
الأول ــ الانحراف في القيادة ، عندما تبوأ مقعد السلطة ، طاغية أرعن
متحلل
مستبد بنظام شمولي ، هو يزيد بن معاوية ، الذي ما دخل الإيمان في قلبه طرفة
عين أبدا ، والذي وصفه الإمام الحسين (ع) ، بقوله لواليه على المدينة
المنورة
عندما طلب منه البيعة ؛ (أيها الأمير ، إنا أهل بيت النبوة ، ومعدن
الرسالة ،
ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله ، وبنا ختم ، ويزيد فاسق ، فاجر ، شارب
الخمر
، قاتل النفس المحترمة ، معلن بالفسق والفجور ، ومثلي لا يبايع مثله) ، وإذا
بهذا اليزيد ، يتبوأ منصب خليفة رسول الله (ص) بإرادة ملكية سامية ، ما أنزل
الله بها من سلطان ، صدرت عن أبيه معاوية بن أبي سفيان ـ ابن آكلة الأكباد ـ
الذي حول الخلافة ، من الشورى إلى ملك عضوض يتلاقفه صبيان بني أمية (الشجرة
الخبيثة) ، كما صرح هو بذلك .
فعندما يتبوأ طاغوت ، مقعدا ليس له أهلا ، لا من الناحية الشرعية ولا من
الناحية القانونية ولا حتى من الناحية الواقعية ، يلزم على الأحرار التصدي
لمسؤولية الإصلاح لإعادة الأمور إلى نصابها ، وإن كلفهم ذلك ، دماءهم
وحياتهم
وكل ما يملكون، كما فعل ذلك سبط رسول الله الإمام الحسين بن علي (ع) ،
وإلا ،
فسيكون الأمر كما قال أمير المؤمنين ، علي بن أبي طالب عليه السلام ، وهو
يصف
أمثال يزيد بقوله ؛ (ولكني آسى أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها ، وفجارها ،
فيتخذوا مال الله دولا ، وعباده خولا ، والصالحين حربا ، والفاسقين حزبا ،
فإن
منهم الذي قد شرب فيكم الحرام ، وجلد حدا في الإسلام ، وان منهم من لم يسلم
حتى رضخت له على الإسلام الرضائخ) .
الثاني ــ سياسة التمييز الطائفي والعرقي ، التي انتهجها الحكم الأموي ،
فميز في العطاء على أساس الانتماء العرقي والمذهبي ـ إن صح التعبير ـ كما
فرق
بين المسلمين على أساس الانتماء القبلي (العشائري) والمناطقي (الأقاليم) .
فهذا قرار (الخليفة معاوية) يأمر بالنص ؛ (انظروا إلى من قامت عليه
البينة
، أنه يحب عليا وأهل بيته ، فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاءه ورزقه) ثم
شفع
ذلك بنسخة أخرى تنص على أن ؛ (من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم ، فنكلوا به
واهدموا داره) .
وهو القائل ، حين استولى على العراق ، ونقل بيت المال من الكوفة إلى
دمشق ،
وزاد في عطاءات أهل الشام ، وحط من عطاءات أهل العراق ؛ (الأرض لله ، وأنا
خليفة الله ، فما آخذ من مال الله فهو لي ، وما تركته كان جائزا لي).
الثالث ــ الاستئثار بالفئ ، والتصرف به كيف يشاء الحاكم ، وكأنه ، ملك
ورثه عن أبيه ، فحرم منه أناس ، وأتخم فيه آخرون ، وأغدقه على ضمائر باعت
آخرتها بدنيا غيرها ، ووهبه لكل أفاك أثيم ، ومنعه عن المحتاجين ، وصرفه على
ملذاته ، في دائرة ضيقة ، شملت الأهل والأقارب وأبناء القبيلة ، وعناصر
وأنصار
الحزب الحاكم فقط ، فهذا أحدهم يقول ؛ (إنما السواد ـ يعني العراق ـ بستان
لقريش ، ما شئنا أخذنا منه ، وما شئنا تركناه) ، أما الثاني ، فيقول ؛
(لنأخذن
حاجتنا من هذا الفئ ، وإن رغمت أنوف أقوام) .
وهذه المستويات الثلاثة ، هي الأخطر التي تحتاج ، في كل حين ، إلى
الإصلاح
بكل الطرق ، لأنها ، لو تركت لتستمر، فستنتج طاغية ذليل كصدام حسين ، لن
يترك
السلطة التي اغتصبها رغما عن أنف الشعب ، إلا بعد أن يدمر كل شئ تدميرا ، ثم
يسلم البلاد والعباد ، إلى الأجنبي المحتل .
والى ذلك أشار الحسين (ع) بقوله : (أيها الناس ، إن رسول الله (ص) قال :
من رأى سلطانا جائرا ، مستحلا لحرام الله ، ناكثا لعهد الله ، مخالفا لسنة
رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، فلم يغير ما عليه بفعل ولا
قول ، كان حقا على الله أن يدخله مدخله .
ألا وإن هؤلاء ، قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن ، واظهروا
الفساد وعطلوا الحدود ، واستأثروا بالفئ ، وأحلوا حرام الله ، وحرموا
حلاله ،
وأنا أحق من غير).
مشروعية الثورة إذن ، تنبثق من مسؤولية التصدي للإصلاح ، وعلى مختلف
الأصعدة ، وفي عهد الحسين (ع) ، كل شئ كان بحاجة إلى الإصلاح الجذري ،
فالسياسة كانت بحاجة إلى الإصلاح ، والسلطة كذلك ، والاقتصاد والعطاء ،
والتصرف في بيت المال ، كذلك ، كان بحاجة إلى الإصلاح ، كما أن العلاقة بين
الحاكم والمحكوم، كانت ، هي الأخرى ، بحاجة إلى الإصلاح .
هذا من جانب ، ومن جانب آخر ، فإن الحسين (ع) لم ينهض للتصدي لمسؤولية
الإصلاح ، إلا بعد أن :
أولا ــ نكث معاوية بكل الشروط التي تصالح عليها مع الإمام الحسن بن علي
(ع) عندما خطب قائلا (أتروني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج ؟ وقد علمت
أنكم تصلون وتزكون وتحجون ، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وألي رقابكم ، وقد
آتاني الله ذلك وانتم كارهون ، ألا أن كل دم أصيب في هذه مطلول ، وكل شرط
شرطته ، فتحت قدمي هاتين).
ومن أهم وابرز الشروط التي نقضها معاوية ، هو شرط أن يكون أمر المسلمين
شورى بينهم ، بعد هلاكه ، إلا انه نصب ابنه يزيد ملكا على المسلمين قبل أن
يهلك .
ثانيا ــ وصلته مئات الآلاف من الرسائل التي تطالبه بالتصدي لمسؤولية
الإصلاح والتغيير ، والتي اعتبرها الإمام (ع) ، نوع من أنواع البيعة الشفهية
والتحريرية ، كما أشار إليها بقوله (ع) ؛ (وقد أتتني كتبكم ، وقدمت علي
رسلكم
ببيعتكم ، وأنكم لا تسلموني ولا تخذلوني ، فإن تممتم علي بيعتكم ، تصيبوا
رشدكم ، فإني الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله (ص) ، نفسي مع أنفسكم ،
وأهلي مع أهليكم ، فلكم في أسوة) .
ثالثا ــ تيقن من أن الطاغية يزيد ، يدبر له مؤامرة لاغتياله ، حتى لو
كان
متعلقا بأستار الكعبة ، وأن من المستحيل فتح باب الحوار بين الطرفين ، بأية
صورة من الصور ، بسبب أن يزيد كان يعتبره الحلقة الأقوى في المجتمع الإسلامي
التي يجب ترويضها طوع البنان ، ليستتب له الأمر في السلطة والخلافة ، لما
كان
يمثله الإمام (ع) من امتداد مباشر لرسول الإسلام محمد بن عبد الله (ص) ،
بالإضافة إلى منزلته عند الناس ، وثقتهم به ، وغير ذلك ، ما يعني عند يزيد ،
أن انتزاع البيعة له من الحسين (ع) يسهل عليه اخذ البيعة من الآخرين ، لما
يمثل الإمام من شرعية ومشروعية ، ولذلك قرر إنتزاع البيعة منه ، طوعا أو
كرها
، والى ذلك أشار الإمام الحسين (ع) بقوله ؛ (ألا وأن الدعي بن الدعي قد ركز
بين اثنتين ، بين السلة والذلة ، وهيهات منا الذلة ، يأبى الله لنا ذلك
ورسوله
والمؤمنون ، وجدود طابت ، وحجور طهرت ، وأنوف حمية ، ونفوس أبية ، لا نؤثر
طاعة اللئام على مصارع الكرام) .
ولكل ذلك قال يزيد لواليه على المدينة ، الوليد بن عتبة ، في كتابه الذي
أمره فيه بأن يأخذ البيعة من الحسين (ع) ؛ (أما بعد ، فخذ حسينا أخذا ليس
فيه
رخصة ، حتى يبايع ، والسلام) .
لقد فهم الحسين (ع) هذه الحقيقة ووعاها جيدا ، عندما قال ؛ (وأيم الله ،
لو
كنت في جحر هامة من هذه الهوام ، لاستخرجوني ، حتى يقضوا بي حاجتهم ، والله
ليعتدن علي كما اعتدت اليهود في يوم السبت) ، أو في قوله ؛ (والله لا يدعوني
حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي ، فإذا فعلوا ، سلط الله عليهم من يذلهم ،
حتى يكونوا أذل من فرام المرأة) .
لقد استهدف الحسين (ع) بثورته ، الإصلاح بكل معنى الكلمة ، فأراد أولا أن
يعيد تشييد البناء السياسي في الدولة ، على نفس الأسس التي بعث بها رسول
الله
(ص) في :
أولا ــ الحرية ، فقال وهو يخاطب الجيش الأموي ؛ (إن لم يكن لكم دين ،
وكنتم لا تخافون المعاد ، فكونوا أحرارا في دنياكم) ، أي أراد أن يستثير
قيمة
الحرية في نفوسهم ومشاعرهم ، بعد أن سحقها وصادرها النظام المستبد ، لأنه
كان
يرى (ع) أن الإنسان العبد الذي لا يمتلك حريته ، لا يمكنه أن يغير حاله
السيئ
إلى حال أفضل أبدا .
ثانيا ــ المساواة ، والمشاركة ، فلقد اشترك في ثورته الكبير والصغير ،
المرأة والرجل ، الشيعي والسني (من هو عثماني الهوى ، كما يصفه التاريخ) ،
المسلم والمسيحي ، السيد والعبد ، وكل فئات المجتمع آنئذ ، من دون أن يميز
بينهم ، لا على أساس عرقي ، ولا على أساس طائفي أو طبقي ، لأنه (ع) اعتبر أن
ثورته ، فرصة لكل من يريد أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه ، لا يجوز له أن
يحرم منها أحد أبدا ، فآثر على نفسه ، أن لا يغلق هذه الباب بوجه أحد أبدا ،
فهو باب رحمة الله ، وسفينة النجاة ، فكيف يمنع من يريد أن ينجو بنفسه من
غضب
الجبار يوم يقوم الأشهاد ؟ .
أما رسالة الإرهاب التي سجلتها كربلاء ، فيمكن تلخيصها بما يلي :
أولا ــ التسلط على رقاب الناس بالقوة والإكراه .
ثانيا ــ فرض البيعة تحت حد السيف ، وتخيير الناس بين البيعة أو القتل ،
(بين السلة والذلة) .
ثالثا ــ التزييف ، كوسيلة قذرة لغسل أدمغة الناس ، تزييف التاريخ
والدين
والحقائق وكل شئ ، من أجل تبرير الاستبداد والإرهاب وجرائم الطاغوت .
ومنذ العاشر من المحرم عام (61 هـ) ولحد الآن ، حاول الطغاة ، وكل
الأنظمة
المستبدة ، إخماد وهج الثورة وتشويه رسالة الحسين (ع) ، والطعن في مبادئها
النبيلة ، تارة بقتل كل من ينادي (يا حسين) وأخرى بالدعاية التضليلية
السوداء
، التي صورت السبط الشهيد ، رجل متمرد خرج على إمام زمانه ، وأنه قتل بسيف
جده
، وثالثة بمنع محبيه وعشاق ثورته ، من زيارة قبره ، لدرجة أن بعضهم حاول
المستحيل ، من اجل محو أي أثر للقبر الشريف ، وكل ذلك ، لأن الحسين (ع) ثورة
من اجل الحرية والمساواة والمشاركة الشعبية الواسعة ، وأن أمة ، تمتلك
الحسين
(ع) وعاشوراء وكربلاء ، ينبغي أن لا تعيش ذليلة ومتخلفة بين بقية أمم الأرض
وشعوبها .
لقد كان الحسين (ع) ، ولا يزال ، ضحية العنف والإرهاب ، بسبب الاستبداد
والديكتاتورية والأنظمة الشمولية ، التي وظفت كل شئ ـ حتى الدين ـ من أجل
تشويه سمعة الإمام (ع) ، وتلقين الناس بكل ما يخالف الحقيقة والواقع .
أما نظام الطاغية الذليل صدام حسين ، فقد سعى بكل جهده ، من أجل القضاء
على
كل ما يمت إلى الحسين (ع) بصلة (اسمه ، رسمه ، قبره ، نهجه ، كلمة تقال بحقه
أو عنه ، شعائره) وكل شئ ، فقتل زواره ، وأعدم محبيه ، واغتال عشاقه ، ومنع
كل
مظاهر الحزن والعزاء عليه (ع) ، حتى في اليوم العاشر من المحرم ، من كل عام
.
وبكلمة ، إنه حارب الحسين (ع) ، بكل الوسائل والطرق ، تارة باسم التمدن
والحضارة ، وأخرى باسم المجهود الحربي ، وثالثة باسم القضاء على المؤامرات
الخارجية ، ــ كما حصل ذلك في العشرين من صفر المظفر(عام 1977 م) ، ذكرى
زيارة
أربعين الحسين (ع) ، عندما حاصر المشاة ، الذين قصدوا كربلاء من مدينة النجف
الاشرف ، بالطائرات النفاثة ، والدبابات ، ومختلف صنوف القوات المسلحة ،
بحجة
إكتشافه ، لتلك المؤامرة المزعومة ، فقتل من قتل ، وأعدم من أعدم ، وسجن من
سجن ــ .
وأتذكر يوم كنا صغارا في المرحلة المتوسطة ، كيف كان الأساتذة يهددوننا
بالرسوب في أهم المواد الدراسية ، إذا نقلت لهم العيون ، مشاركتنا في موكب
عزاء أو مجلس للحسين (ع) .
وأتذكر ، يوم كنت صغيرا ، وصرخت بأعلى صوتي في أحد مواكب العزاء الحسيني بين
الحرمين الطاهرين للحسين وأخيه العباس (عليهما السلام) ، (صلوا على محمد وآل
محمد) ، ثم لم أشعر ما حل بي ، حتى أفقت بين يدي معاون مدير أمن محافظة
كربلاء
، يسألني بعصبية ؛ (أأنت الذي صرخت بهذا الشعار الممنوع ؟) أجبته مستغربا ،
(نعم ، ولكن لماذا ممنوع ، الصلاة على محمد وآل محمد ؟ ، وهل في ذلك أي ضرر
؟)
، لكمني ـ وأنا ابن الرابعة عشرة ـ وقال ؛ (ألا تعلم بأن الصراخ بمثل هذه
الشعارات ممنوع ؟ ، الأوامر مشددة بهذا الخصوص ، أخرج ، واحذر أن أرى وجهك
ثانية هنا ، في مكتبي) .
أما المقبور حسين كامل (الأغبى من بين كل من عرفت من أزلام النظام) ، فقد
وقف بين الحرمين الطاهرين للحسين والعباس (عليهما السلام) ، بعد أن قضى على
الانتفاضة في شعبان (آذار) عام (1991 م) ، وخط على الدبابات التي اجتاح
واستباح بها المدينة المقدسة (لا شيعة بعد اليوم) ، وقف بين الحرمين مزهوا
ومنتفخا ، وهو يتحدث إلى سيده وقاتله الطاغية الذليل ، ناقلا إليه مباشرة ،
بشرى تفاصيل ما جرى في المدينة : (سيدي ، أكلمك وأنا الآن أقف بين الصنمين ،
هنا ، في كربلاء) .
هل كان رب الحسين غافلا عما يفعل الظالمون ؟ .
كلا وألف كلا ، فإن الله إن يمهل ، فهو لن يهمل أبدا ، هيهات .
وتمر الأيام ، وإذا بالطاغية الذليل ، يستخرج من جوف بالوعة ، أشعث
أغبر ،
يتنقل القمل في رأسه العفن النتن ، وزبانيته وأزلامه وأذنابه وعائلته ،
يمزقهم
الله تمزيقا ، ويطحنهم طحن الرحى ، وينثرهم في الأرض نثرا ، ويوزعهم (شذرا
مذرا) ، بين قتيل وأسير ومشرد ومختفي ، ليكونوا عبرة لمن يعتبر .
يخطئ من ينوي مواجهة الحسين (ع) بأي شكل من الأشكال ، وبأية أعذار أو حجج
أو شعار أو مسمى ، وفي كل الظروف ، وسيخسر من يشن الحرب على الحسين (ع) ، إن
عاجلا أم آجلا ، إذ سيبقى الحسين (ع) شامخا لا يناله أحد أبدا أبدا أبدا .
ولم تخطئ العقيلة زينب بنت علي (ع) أخت الحسين (ع) التي تحدت الطاغية
يزيد
بن معاوية ــ المنتصر عسكريا آنئذ ــ في مجلسه وفي عقر داره ، وبحضور وزرائه
وقادة جيشه وضيوفه وزواره ، مفتخرا مزهوا ، بقولها ؛ (وكد كيدك ، واسع
سعيك ،
فوالله ، لا تمحو ذكرنا ، ولا تميت وحينا ، وهل جمعك إلا بدد ؟ ، وأيامك إلا
عدد ؟ ، وكيدك إلا فند ؟) ، لأنها كانت تتحدث عن لسان جدها رسول الله (ص) ،
الذي قال ؛ (إن للحسين في قلوب المؤمنين حرارة ، لا تنطفئ أبدا) ، والرسول
(ص)
يتحدث عن الله تعالى ، الذي أوحى إليه بقوله عز وجل ؛ (يريدون ليطفئوا نور
الله بأفواههم ، والله متم نوره، ولو كره الكافرون) .
فإلى كل الذين يحاربون الحسين (ع) ، أو ينوون محاربته ، أحذركم ، ولكم
فيمن
سبقكم عبرة ، والحديث الشريف عن رسول الله (ص) يقول ؛ (العاقل ، من اتعض
بتجارب غيره) .
صدق رسول الله (ص) ، والعاقبة للمتقين .