outhiraq@msn.com
southiraq93@hotmail.com
بتاريخ 20- 9 –2003 عقد مركز دراسات جنوب العراق ندوة لمناقشة أصول القانون
الدستوري وقد استضاف المركز أستاذ القانون الدكتور حسن السعدي في هذه الندوة .
هناك ثلاث ملاحظات يجب التوجه أليها بخصوص الدستور العراقي المقترح :
a.. أن يعكس الدستور قيم الشعب وطموحاته .
b.. أن يتم وضع الدستور عن طريق لجنة يختارها الشعب تمثل مختلف المحافظات
والاتجاهات .
c.. أن تكون الرقابة على دستورية القوانين عن طريق المحكمة الدستورية العليا التي
تشكل على هذا الأساس .
أن بعض جوانب البحث تتناول نظرية الدساتير بوجه عام وهو ما يصلح لأية دولة ولأي شعب
وبعضها نأمل أن يتضمنه الدستور العراقي المقترح وسنكتفي بالإشارات الى اغلبها
والبحث يكون وفق المنهج التالي :
a.. نشأة الدساتير وتطورها التاريخي .
b.. تحديد مفهوم الدستور ودلالاته المختلفة .
c.. مصادر القاعدة الدستورية وطرق أصدر الدساتير ( أنواع الدساتير ) .
d.. مكانة الدستور في النظام القانوني ( سمو الدستور ) .
e.. الرقابة على دستورية القوانين .
نشأة الدساتير وتطورها التاريخي :
لقد عرفت بعض المدنيات القديمة الدساتير ومن ابرز الأمثلة على ذلك دستور المدينة
اليونانية وعلى وجه التحديد دستور أثينا . وفي مرحلة العصور الوسطى لم يعد هنالك
مجال للكلام عن دستور ولم يعد هناك كلام عن نظم سياسية تعترف بالحقوق والحريات او
تعترف للإنسان بالمساهمة في الحياة السياسية . وساد الجهل الذي شمل سائر مرافق
الحياة وهو ما عرف بعصر الإقطاع وكان هذا الواقع وهو واقع خاص بالدول الأوربية تسبب
في نهضة فكرية شاملة تلتها نهضة صناعية كبيرة فظهرت الفلسفات والأفكار السياسية
التي نادت بالحقوق والحريات وفصل السلطة عن الأشخاص الذين يمارسونها ومن هنا بدأت
مرحلة تقييد الحكام بوثائق أطلق عليها فيما بعد بالدساتير وهي مرحلة يحددها الكثير
من الكتاب في القرن التاسع عشر وفي مراحل تالية لهذه الحقبة الزمنية أصبحت الشعوب
صاحبة السيادة ومصدر السلطة وفق الاتجاهات الفكرية السائدة .
مفهوم الدستور ودلالاته المختلفة :
مفهوم الدستور : تعددت تعريفات القانون الدستوري حسب وجهات نظر كل فقيه من فقهاء
هذا العلم والملاحظ أن جميع هذه التعريفات تدور حول فكرة الحكم وسوف نعرض لتلك
التعريفات كما جاءت بكتب الفقه . فمن هذه التعريفات من يرى أن القانون الدستوري هو
مجموعة القواعد القانونية التي تنظم أمر الحكم في الدولة . ومنهم من يرى أن لا داعي
لإدخال الدولة في التعريف حيث يرون أن قواعد القانون الدستوري تبين أمر الحكم في
جماعة سياسية في وقت معين حيث يرون أن الدولة اسبق في الوجود من الدستور . والرد
على ذلك أن الدولة إذا كانت اسبق في الوجود على الدستور فان الحكومة هي الأخرى تأخذ
هذا الوضع لان الحكومة ركن من أركان الدولة . والإجماع الحاصل بين الفقهاء ألان أن
قواعد القانون الدستوري تتعلق بشان كل ما يخص الحكم في الدولة فهي تقيم المؤسسات
الحاكمة تبين اختصاصاتها والعلاقة بين السلطات وترسم معالم وملامح النظام السياسي
كشكل الدولة وشكل الحكومة وحقوق وحريات الأفراد وما يقابلها من تكاليف وأعباء عامة
.
مدلولات الدستور : هناك أربعة مدلولات للدستور نعرض لها :
a.. المدلول اللغوي : الأصل اللغوي لكلمة دستور هو فارسي الأصل حيث تفيد معنى
الأساس أو القاعدة . وكانت الدساتير العربية التي صدرت في العقد الثاني من القرن
العشرين قد استعملت كلمة ( أساس ) كما هو شأن الدستور العراقي الصادر سنة 1925 تحت
عنوان القانون الأساسي .
كذلك الدستور المصري الصادر سنة 1923 ويرى الكثير من فقهاء القانون الدستوري أن
المعنى اللغوي لمصطلح الدستور يستغرق كافة فروع القانون باعتبار أن هذه الفروع
قواعد تنظيمية وهو ما لا يتفق مع حقيقة دلالة القواعد الدستورية .
b.. المدلول التاريخي : ارتبط هذا المدلول لمصطلح الدستور بتاريخ فرنسا الدستوري في
عهد (لويس فيليب الاورلياني )حيث قام الفقيه (جيتروا) بتدريس الدستور الذي صدر في
ذلك العهد والذي أقام النظام الديموقراطي الحر . وبطبيعة الحال مثل هذا المدلول لا)
يتجاوز الدراسة التاريخية إلى الدراسة العلمية كما هو ثابت .
c.. المدلول الشكلي : المقصود بالمدلول الشكلي للدستور هو أن كافة القواعد
القانونية التي تنظمها وثيقة الدستور تعتبر قواعد دستورية بصرف النظر عن كونها
تتناول أمور الحكم أو تتناول موضوعات أخرى غير هذا المعني .
d.. المدلول الموضوعي : يقصد بالمدلول الموضعي للدستور هو أن القاعدة القانونية
تعتبر قاعدة دستورية إذا تناولت بالتنظيم أمور الحكم في الدولة ولا عبرة بمكان هذه
القاعدة سواء اشتملت عليها وثيقة الدستور أم كانت خارج هذه الوثيقة .
مصادر القاعدة الدستورية وطرق إصدار الدساتير ( أنواع
الدساتير ) :
من المعلوم أن مصادر القاعدة القانونية بوجه عام هي التشريع والفقه والقضاء والدين
والعرف …الخ
ألا أن الفقهاء عندما يتناولون بالبحث مصادر الفنون الدستوري يتكلمون عن المصادر
المكتوبة والمصادر العرفية وتدخل المصادر المكتوبة في دائرة التشريع أما المصادر
العرفية فلا تعتبر كذلك باعتبارها مصادر مستقلة كما سنرى ذلك .
ويرتب الفقهاء على هذا المنهج ويرتب الفقهاء على هذا المنهج في البحث طرق إصدار
الدساتير و أنواعها وسوف نتكلم عن طرق إصدار الدساتير . أما أنواع الدساتير فهي لا
تخرج عن كونها دساتير مكتوبة ودساتير عرفية .
وكذلك من هذه الأنواع دساتير جامدة ودساتير مرنة كما سوف يبدوا لنا في ثنايا البحث
:
الدساتير المكتوبة : تكون الدساتير مكتوبة عندما يتم
تدوين القواعد القانونية في وثيقة خاصة سواء تعلقت هذه القواعد بأمر الحكم أم أنها
خارج هذا المعنى . المهم أن تكون هذه القواعد قد ثبتت في وثيقة الدستور واتخذت
الإجراءات الخاصة الأشكال الخاصة التي تختلف عن الإجراءات و الأشكال التي تصدر بها
القوانين العادية .
الدساتير العرفية : تكون الدساتير عرفية عندما تستند
الى العرف ولا تضمها وثيقة خاصة . والعرف كما هو معلوم تصرف مادي وسلوك معين تقوم
به مؤسسات الدولة او بعض هذه المؤسسات ولا يحصل اعتراض على هذا السلوك بوصفها تتميز
بوصف قانوني . وهذا يعني إن للعرف ركنين : الركن المادي والمتمثل بالسلوك . والركن
المعنوي المتمثل بحصول الرضا عن هذا السلوك بوصفه قانونا ملزما . وتجدر الإشارة هنا
إلى أن غالبية دساتير الدول هي دساتير ملونة ولعل الدستور العرفي الوحيد هو الدستور
الإنجليزي . وهذا لا يمنع بان تكون ثمة قواعد دستورية عرفية على هامش الدستور
المكتوب وهو ما يسمى العرف الدستوري على خلاف الدستور العرفي .
والدساتير المكتوبة او الدساتير العرفية هو ما يعتبر من أنواع الدساتير على حد
تعبير الفقهاء . كذلك يتكلم الفقهاء عن أنواع الدساتير بعنوان الدساتير الجامدة
والدساتير المرنة ويقصدون بالأولى تلك الدساتير التي تصدر عن هيئة خاصة و اجراء ات
خاصة مطبوعة بطابع تمييزي عن طريقة و أشكال وإجراءات صدور القواعد القانونية
العادية ..
و ألان : نخص بالكلام طرق أجواء الدساتير على وجه الإيجاز .
نتيجة لتطور وعي الشعوب وانتشار المبادئ الديموقراطية وبلورة فكرة سيادة الشعب حصل
صدور الدساتير بشكل تدريجي وفقا لتطور تلك المفاهيم وذلك على الوجه التالي :
صدور الدساتير بطريقة المنحة :
صدرت بعض الدساتير بطريقة المنحة باعتبار الملوك هم أصحاب السيادة وتحت ضغط الشعوب
وخشية نتائج هذه الضغوط تم تسامح الملوك بإصدار الدساتير بهذه الطريقة . وهذه
الطريقة لا تقيد الاعتراف بسلطة الشعوب وحقهم في السيادة , وقد صدر الدستور المصري
عام 1923 بهذه الطريقة .
طريقة العقد :
في هذه الطريقة اعترف الحكام بمشاركة الشعوب في السيادة وكأن السيادة أصبحت شركة
بين الملوك والشعوب فصدرت بعض الدساتير بناء على هذا الاعتبار وهو ما يعبر عن تنامي
الوعي الشعبي والخشية من الشعوب . وقد صدر الدستور العراقي عام 1925 بهذه الطريقة .
طريقة الجمعية التأسيسية :
تعتبر هذه الطريقة من الطرق الديموقراطية باعتبار الشعوب صاحبة السلطة حيث يختار
الشعب جماعة معينة لوضع الدستور .وفقا لأهدافه وطموحاته .
طريقة الاستفتاء الدستوري :
في هذه الطريقة يتم اختيار جماعة معينة من الأشخاص لوضع الدستور وقد يكون هذا
الاختيار من قبل الشعب او من قبل القوى السياسية الفاعلة او الجهة الحاكمة ….. ولا
يتخذ الدستور الصفة الرسمية ألا بعد عرضه على الشعب في استفتاء عام . وهو ما يعبر
عن التطبيق الفعلي للديموقراطية وذلك بالاعتراف بأن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر
السلطة .
رابعا : مكانة الدستور في النظام القانوني ( سمو الدستور ) :
تبين لنا فيما تقدم من الكلام أن الدستور بقواعده القانونية ينشئ المؤسسات ويحدد
الاختصاصات وبوجه عام يقيم النظام السياسي في الدولة , ومن المعلوم أن النظام
القانوني في الدولة يتكون من مجموعة من القواعد القانونية تندرج حسب مكانة الجهة
التي أصدرتها وحسب طبيعة الإجراءات والأشكال التي صدرت بها , وحيث أن الدستور هو
الذي ينشئ النظام القانوني فأن قواعده تحتل المكانة العليا في هذا النظام ولا يجوز
مخالفة هذه القواعد سواء أكان ذلك بعمل قانوني أو عمل مادي , وتتدرج القواعد
القانونية حيث تاتي القوانين العادية بالمرتبة بعد الدستور وتليها القرارات
التنظيمية ( اللوائح ) , ثم القرارات الإدارية الفردية إلى المنشورات والتعليمات
التي تصورها الوحدات الإدارية الصغرى . وهذه المكانة لقواعد الدستور هو ما اصطلح
عليه الفقهاء ( بالسمو) , وقد يكون هذا السمو شكليا او موضوعيا فالسمو الشكلي تتمتع
به كافة القواعد التي اشتمل عليها الدستور . أما السمو الموضوعي فيأتي من كون
القاعدة القانونية ذات طابع دستوري أي من كونها تتناول موضوع الحكم في الدولة .
ولما كانت القواعد الدستورية تتمتع بميزة السمو هذه فأن ذلك لا يعني عدم إمكانية
تعديلها . فليس هناك دستور يبقى جامدا دون تعديل الى ما لا نهاية , ألا أن التعديل
يلزم أن يكون وضعه الأصول الدستورية التي ينص عليها الدستور نفسه , وذلك في الأحوال
والظروف العادية أما في الظروف غير العادية كحالة التوارث والانقلابات فالوضع مختلف
حيث ستكون أمام وضع سياسي جديد يترتب عليه دستور جديد حسب توجيهات وأفكار الجهة
التي أحدثت التغيير .
وكلامنا هنا بصدد الظروف العادية , فقد يكون اقتراح التعديل من قبل السلطة
التنفيذية أو التشريعية أو اشتراك السلطتين أو أن يكون التعديل باقتراح الشعب ,
وإذا كان الدستور ينص على الجهة التي يحق لها اقتراح التعديل فليس ثمة مشكلة بناء
على ضرورة الالتزام بحكم الدستور . أما إذا لم يوجد نص مثل هذا سوف يحصل الخلاف حول
الجهة التي يحق لها اقتراح التعديل , وحتما لهذا الخلاف لا بد ان يكون للشعب دوره
في هذا الأجراء ويعتبر ذلك بعتي عدم الاهتمام بإرادة الشعب وينتهي الأمر إلى مشاكل
سياسية تضع النظام السياسي في حالة من عدم الاستقرار .
خامسا : الرقابة على دستوريه القوانين :
قواعد القانون الدستوري على الوجه الذي تقدم بيانه لا تجوز مخالفتها من أية جهة
ولأي إجراء لكن ما هي ضمانا ت ذلك ؟ وهنا تكلم فقهاء القانون عن نوعين من الرقابة :
a.. الرقابة السياسية : تتمثل هذه الرقابة في هيئة مشكلة تشكيلا سياسيا وهي رقابة
سابقة على إصدار القانون محل الرقابة وهذه الرقابة ميزتها أنها وقائية ومعنى ذلك أن
القانون المراد تشريعه إذا كان مخالفا للدستور سوف لن يتم إصداره آلا انه يأخذ على
هذه أن أعضاء هيئة الرقابة قد لا يكونون مكونين تكوينا قانونيا يتناسب مع خطورة
وأهمية هذه الرقابة ومن جهة أخرى أن الطابع السياسي لتشكيل هذه الهيئة قد لا يمنعها
من التأثر بالاتجاهات السياسية وهو ما لا يتفق مع الهدف من هذه الرقابة .
b.. الرقابة القضائية : من المعلوم أن وظيفة القضاء تتمثل في الفصل في الخصومات
التي تحصل بين الأفراد والدولة أو بين الأفراد أنفسهم وهي وظيفة على درجة كبيرة من
الأهمية حيث يتعلق الأمر بدماء الأفراد و أموالهم وحرياتهم .. الخ ومن جهة أخرى
يفترض في القضاء قدر كبير من التكوين القانوني والحياد والنزاهة والاستقلالية وهذه
الأمور مجتمعة تشكل ضمانة فاعلة لرقابة دستورية القوانين .
وهنا تفرعت الرقابة إلى صورتين :
الصورة الأولى : الرقابة الأصلية : وتتمثل هذه الرقابة في تشكيل محكمة خاصة تحت اسم
المحكمة الدستورية العليا أو تناط مهمة الرقابة بأعلى محكمة في البلاد . ومن ميزات
هذه الرقابة أن قرارها يلغي القانون المخالف للدستور وان لهذا الحكم حجية مطلقة أي
انه ملزم لسائر المحاكم والجهات التي تطبق القانون كذلك من ميزات هذه الرقابة أن أي
فرد يرى في قانون معين مخالفة للدستور يستطيع أن يتقدم لهذه المحكمة طالبا إلغاء
هذا القانون .
الصورة الثانية : الرقابة عن طريق الدفع بعدم الدستورية : هذه الرقابة تعتبر رقابة
فرعية ولا يحق لأي مواطن الطعن بعدك دستورية القوانين بصورة أصلية بمعنى آخر إذا
رأى المواطن أن قانونا ما يخالف الدستور فلا يحق له أن يتقدم للمحكمة للطعن بهذا
القانون بل ينتظر إلى أن يكون في موقف محل دعوى قضائية يطبق عليه القانون فيها وعند
ذاك يبادر في الطعن في القانون . وفي هذه الحالة على القاضي النظر في صحة هذا الطعن
فأذا تبين له صحته يتوقف عن تطبيق القانون فحسب ويكون قرار الحكم هنا خاصا بالقضية
المعروضة فقط لذلك قيل بأن هذا الحكم حجيته نسبية أو قاصرة . ومعنى ذلك أن المحاكم
الأخرى بل المحكمة نفسها غير ملزمة بالحكم الصادر في هذه القضية ويتضح أن هذا الحكم
يعتبر مجرد امتناع عن تطبيق القانون باعتباره قانونا غير دستوري على عكس حكم
المحكمة الدستورية العليا الذي يقرر إلغاء القانون .
مركز دراسات جنوب العراق
southiraq@msn.com