رسالة توجيهية

إلى التربويين العراقيين

 

لسماحة المرجع الديني الكبير

السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم(مدظله)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمَّد وآله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين، إلى يوم الدين.

وبعد..

فيسعدنا أن نتحدث إلى التربويين العراقيين ونحن نستقبل أول عام دراسي جديد بعد سقوط نظام الظلم والطغيان والتمرد والاستهتار، الذي دمّر هذا البلد الكريم، وخلّف سلبيات كثيرة، وتركة ثقيلة، في مختلف شؤون الحياة، ومنها أمر الثقافة والمعرفة، عسى أن نشارك بحديثنا هذا في حل المشاكل وتدارك السلبيات، التي أفرزها النظام المذكور، في جانب الثقافة والمعرفة، أو زاد في حدَّتها وتعقِّدها.

وغني عن البيان أهمّية الثقافة والمعرفة في حياة الأمم وسعادتها، وكرامتها ورقيّها، وارتفاع مستوى المعاش والرفاهية فيها.
وقد كانت من أوليات اهتمام الإسلام العظيم ونبيه الكريم وآله الطاهرين
(صلوات الله عليهم أجمعين).
ويـكفي في ذلك أن افتتاح أول سورة أنـزلـها الله تعالى على نبيه الأمين: ((بسم الله الرحمن الرحيم * اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ))(1)، ثـم أقسم عز وجل بالقلم في قوله: ((ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ?(2).
وقـال سبحانه مؤكـداً على أهمية العلم ـ: ? إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ))
(3).
وقـال عز اسمه: ((يَرْفَع اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ
أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ))(4).
وقـال سبحانـه: ((وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا))(5).
وقد اهتم النبي
(صلى الله عليه وآله وسلّم) في بداية الدعوة بتعليم القراءة والكتابة في مجتمع المدينة المنورة، ذلك المجتمع البدائي، حتى أنه (صلى الله عليه وآله وسلّم) قد رضي من بعض الأسرى أن يفدي نفسه بدل المال الذي كان المسلمون في أمس الحاجة له بتعليم بعض أولاد أهل المدينة القراءة والكتابة، في محاولة منه(صلى الله عليه وآله وسلّم) لتيسير تحصيل العلم والمعرفة لجيل الإسلام الناشئ، ودفعه بهذا الاتجاه.
كما حث
(صلى الله عليه وآله وسلّم) هو والأئمة (صلوات الله عليهم) على العلم والكتابة وحفظ الكتب، في نصوص كثيرة لا يسعنا استقصاؤها.
ولعل من أروع ذلك قول أمير المؤمنين علي
(صلوات الله عليه): «قيمة كل امرئ ما يحسنه»(6)، حيث قيّم(عليه السلام)  الإنسان بما يحسنه ويعرفه، دون غيره مما يتحلّى به ويملكه.

وقد جدّ المسلمون في عصورهم الذهبية الأولى، وحتى العصور القريبة، في طلب العلم في سائر جهات المعرفة، واستزادوا منه، حتى انتشر عنهم ما ملأ الدنيا، وسار في أنحاء الأرض، ومنهم أخذت الأمم، كما اعترفت لهم بذلك، وأقرّت بأنها مدينة لهم.

وقد كان للعراق في ذلك النصيب الأوفر، والقدح الـمُعلى، فكانت فيه مدارس الكوفة والبصرة وبغداد وواسط وغيرها، مجتمعات للعلماء، ومنتديات للثقافة والمعرفة، ومنابع للعلم، يقصدها الناس من فجاج الأرض، وينهلون منها، ويحملون عنها ما ينشرونه في بلادهم، ويفيدون به غيرهم.

ومن أهم أسباب نضوج العلم في العراق، وارتفاع مستواه، وقوته وأصالته، أن معلمه الأول هو الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، الذي هو باب مدينة علم النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) ووارثه، وهو الذي يقول عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم): «علمني ألف باب، كل باب يفتح ألف باب»(7)

 ويقول في حديثه مع صاحبه كميل بن زياد (رضوان الله عليه): «إن ههنا لعلماً جمّاً لو أصبت له حَمَلة»(8). وقال(عليه السلام): «سلوني قبل أن تفقدوني»(9).

فإنه (صلوات الله عليه) رآى في العراق الأرضية الصالحة، فغرس فيها شجرة العلم والمعرفة بمختلف فروعها، وتعاهدها هو وخلّص أصحابه (رضوان الله عليهم)، كما تعاهدها من بعده الأئمة من ولده (صلوات الله عليهم)، وأصحابهم (رضوان الله عليهم)، وخصوصاً الإمام الصادق(عليه السلام)، الذي تكررت زيارته للعراق، ومكث في الكوفة مدة من الزمن، يفيض فيها من علمه ومعارفه.

وظل يتعاهد أمر العلم فيها بتلامذته وأصحابه، حتى قال الحسن بن علي الوشا: «أدركت في هذا المسجد يعني مسجد الكوفة تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمد(عليه السلام)»ـ (10) .

ونتيجة للثقل العملي في الكوفة وقوة شخصية حملته، لصدقهم وإخلاصهم، فرضوا أنفسهم على الواقع الإسلامي، حتى على من خالفهم، ممن هو مباين لخط أهل البيت(عليهم السلام)، حتى قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني المعروف بنصبه وشدة عدائه لأمير المؤمنين(عليه السلام): «وكان قوم من أهل الكوفة لا يحمد الناس مذاهبهم هم رؤوس محدثي أهل الكوفة، مثل أبي إسحاق عمرو بن عبد الله، ومنصور، والأعمش، وزبيد ابن الحارث اليامي، وغيرهم من أقرانهم، احتملهم الناس على صدق ألسنتهم في الحديث... قال إبراهيم: وكذلك عندي مَن بعدهم إذا كانوا على مراتبهم، من مذموم المذهب وصدق اللسان»(11).

وقال علي بن المديني: «لو تركت أهل البصرة لحال القدر، وتركت أهل الكوفة لذلك الرأي يعني التشيّع خربت الكتب»(12).

وقال الذهبي: «البدعة على ضربين، فبدعة صغرى، كغلو التشيع أو تشيع بلاغلو ولا تحرف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق. فلو ردّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية. وهذه مفسدة بيّنة...»(13).

هكذا كان العلم في العراق والكوفة خاصة. لكنه تدهور نتيجة الأوضاع السياسية من مدة طويلة.

ولم يسلم من ذلك إلا الدراسة الحوزويّة في النجف الأشرف، فإن صمود المرجعيات ودعم المؤمنين لها جعلها في معزلٍ عن الدول المتعاقبة، فلم تتحكم فيها ولا في برامجها ومسيرتها، وبقيت على أصالتها وعمقها. وإن كلّفها ذلك متاعب ومصاعب، بل تضحيات وكوارث هي بعين الله تعالى، ولا تضيع عنده.

ونظراً لكون حوزة النجف الأشرف امتداداً لمدرسة الكوفة بأصالتها وشموخها العلمي كان لها الوضع المتميّز من بين الحوزات العلمية الأخرى، في الأصالة والعمق والتركيز العلمي. وقد زاد في ذلك استمدادها من بركة جوار أمير المؤمنين(عليه السلام) وقدسية فيوضاته.

وعلى كل حال، فعلى العراقيين وفقهم الله تعالى اليوم بعد أن تحرروا من ذلك النظام البائد، وانقشع عنهم ذلك الكابوس الخانق أن يجدوا في إعادة مجدهم العلمي والثقافي، ويجددوا ما اندرس منه، فإن القوم أبناء القوم، وهم نظراء أسلافهم في عقولهم وقابلياتهم.

ولذا نرى أن كثيراً من العراقيين في العصر الحديث الذي طلبوا العلم والمعرفة بفروعها المختلفة في الخارج حيث الحرية والاستقلال والجد والاجتهاد قد بلغ الدرجات العليا في المعرفة، وكان في الطراز الأول من العلماء.

بل حتى مَن طلبها في العراق نفسه في أوائل القرن الماضي قبل اضطراب الوضع السياسي، كان قد بلغ مراتب في العلم والمعرفة لا يستهان بها، نتيجة ارتفاع مستوى التعليم فيه، وقوة القابليات الفكرية والعقلية في أبنائه، حتى كانت الشهادة العراقية تُقبل ويُعترف بها في جامعات العالم المرموقة. وكفى بذلك محفزاً على ما نريده من الحديث حول المشاكل ومعالجتها.

 

وبعد ذلك نقول:

هناك أمور ينبغي الحديث عنها..

الأول:

أن المناهج الدراسية قد أخذت بالضعف منذ بدأت الأوضاع السياسية بالاضطراب، حيث انصبّ اهتمام القيادات السياسية إلى استقطاب طلبة المدارس من أجل أن تتبنى مواقفها وتحمل شعاراتها، وإن أشغلهم ذلك عن واجبهم العلمي، وحذراً من أن يشعر الطلبة بخسارتهم بتضييع أوقاتهم في ذلك اضطرّت إلى أن تخفف من مناهج الدراسة، وتتغاضى عن تقصيرهم في دراستهم، وتمنحهم شهادة النجاح.

وقد عمّ ذلك الكل، حتى من استطاع أن يبعد عن السياسة، إذ ليس هناك مناهج أخرى يعتمدها في دراسته، ولا هيئة تدريسية تقوم بها. اللهم إلا أن يكون هناك جهد فردي استثنائي لا ظهور له في الوضع العام.

وقد زاد في تدهور الوضع تركيز النظام السابق في المناهج الدراسية على الثقافة الحزبية الضحلة.

ويبدو ذلك واضحاً جلياً بمقارنة المناهج الدراسية في السنين الأخيرة بالمناهج الدراسية التي كان العمل عليها قبل ستين عاماً فأكثر.

ومن الطبيعي أن يكون ذلك قد أثّر..

أولاً: على الكادر التدريسي، فضعف المدرّس اليوم ثقافياً، لأنه تلميذ الأمس القريب، ولأنه لم يألف المناهج ذات المستوى الرفيع، فلو فرض أن تبدلت المناهج الآن وارتفع مستواها لم يستوعبها ولم يتفاعل معها، ولا يهضمها ليستطيع تدريسها للطلاب الجدد، والارتفاع بهم إلى مستوياتها.ولابد من الاهتمام بهذا الجانب، والعمل الجدّي من أجله، ولو بفتح دورات تدريبية للمعلمين والمدرسين يقوم بها مدرسون أكفاء من الأجيال السابقة، أو ممن له اهتمام استثنائي بالثقافة من الأجيال اللاحقة، ليرتفعوا بمستوى العلم ثقافياً ونفسياً، لينهض بمسؤوليته كاملة ويستطيع تثقيف التلميذ الجديد بما يناسب تطور المناهج الدراسية وارتفاع مستواها.

وثانياً: على الطلاب أنفسهم الذين قطعوا بعض المراحل الدراسية بالمناهج السابقة، حيث يصعب عليهم الانتقال للمراحل اللاحقة على طبق المناهج الجديدة، للفارق الشاسع بين المرحلة التي أنهاها في العهد السابق والمرحلة الجديدة التي تنتظره في المناهج الجديدة، لو فرض ارتفاع مستواها، حيث لا يكون انتقاله للمرحلة الجديدة تدرجاً طبيعياً، بل يكون من سنخ الطفرة التي تصعب على الكثيرين أو تتعذر، فلابد من جهد مكثّف لعون الطلاب على هذا الاجتياز الصعب، وتظافر الجهود من أجل ذلك.

 

الثاني:

أن ابتناء الأوضاع بمجملها فيما سبق على اهتمام العاملين والموظفين في مختلف مجالات العمل، بإرضاء النظام وأعوانه، خوفاً وطمعاً، كان سبباً في ضعف شعورهم بواجبهم في خدمة المواطنين، والإخلاص في عملهم وإتقانه، فكانوا يكتفون بالعمل الصوري والروتيني.

وزاد في تردي الأوضاع قلة الرواتب الشهرية، نتيجة التدهور الفظيع في قيمة الدينار الشرائية، حيث كان ذلك سبباً في حمل الموظف على التهاون بعمله، خصوصاً بعد أن كان ذلك سبباً في إلجاء المواطنين على دفع المكافأة أو الرشوة له على عمله، لينجزه له، من أجل أن يسدّ حاجته الملحّة للمال.

وجرى على ذلك المعلّمون والمدرّسون، فإنه وإن لم يتيسر لهم الرشوة والمكافأة، لأن أكثر من يدرسونهم من الطبقة الفقيرة الـمُعدمة وغير الواعية، إلا أن كثيراً منهم أخذ يحاول أن يتدارك أمره بالدروس الخاصة الاستثنائية، التي يتسنى لبعض ذوي الدخل الجيد والوعي أن يقوموا بها لأبنائهم، حيث زاد ذلك من ضحالة الدروس العامة التي تلقى في المدرسة، أملاً في حمل أكبر عدد ممكن من أهالي التلاميذ على الدروس الخاصة المذكورة، رغبة في الاستزادة من المال.

وانتهى التدريس العام في المدارس الحكومية في النهاية إلى عملية روتينية ضحلة لا تنهض بالمستوى العلمي المناسب لعامة الناس، خصوصاً مع كثرة التعطيلات بسبب ما كان النظام البائد يستحدثه، من مناسبات الأفراح والاحتجاجات المزعومة، ولقيام المسيرات، ورفع الشعارات التي يدعو إليها لخدمة أهدافه.

وكلما طال الزمن وقد طال فعلاً ألف الناس ذلك، واستحكم في النفوس والسلوك، حتى عاد مرضاً اجتماعياً مستعصياً.

وعلى ذلك لا يكفي ارتفاع المستوى المعاشي للمعلم والمدرس لو حصل في هذا العهد في حل المشكلة، إذ هو لا يكفي في إحياء الشعور بالمسؤولية، بعد أن مات في النفوس، ولا في قطع مادة الطمع الذي ظهر فيها وتجذّر.

غاية الأمر أن يكون ارتفاع المستوى المعاشي سبباً لفقد مبررات التسامح المذكور، ولوجود الأرضية الصالحة لحل المشكلة، مع توقف حلّها فعلاً على جهود مكثفة من قِبل المعنيّين والمخلصين، ولو بإحداث ندوات تلقى فيها محاضرات لتوعية المعلمين والمدرسين، وتذكيرهم بواجبهم، وتحفيز ضمائرهم، واستثارة عواطفهم، من أجل بناء بلدهم الذي دمّره الظالمون، ورفع مستوى أبنائه المحرومين ثقافياً، والنهوض بهم وبه إلى أوج الرفعة والكمال.

وهذا في الحقيقة يجري في حق جميع المسؤولين والعاملين، ولا يختص بالتربويين، وإن كان حديثنا هذا معهم.

 

الثالث:

أن المدرسة كما هي مسؤولة بتعليم جيل الناشئة في فروع المعرفة الحياتية المختلفة، وتثقيفها ثقافة علمية أصيلة رصينة، كذلك هي مسؤولة بأمرين آخرين لهما أهميتهما الكبرى في واقع الإنسان..

1ـ تثقيف الناشئة دينياً. فإن الدين الحق مقدم على كل شيء، وبه نجاة الإنسان من الهلكة الدائمة، وهو الرقيب الداخلي الذي يدفعه للطريق المستقيم في هذه الحياة المملوءة بالمخاطر، والمزروعة بالأشواك، والتي تتقاذفها الأهواء والدعوات المختلفة، خصوصاً بعد أن عاث الفساد في الأرض وانتشر فيها.

 

2ـ تربية الناشئة على الأخلاق الفاضلة وتركيز المثل الإنسانية ونوازع الخير فيها، لأنَّ قِوام الأُمَّة بأخلاقِها ومُثُلِهَا.

 

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 

والعلم الخالي عن هذين الأمرين ينقلب أداة شرٍّ مدمرة للأمة والبشرية عامة، كما نشاهده اليوم في الأمم التي تخلَّت عن الدين والأخلاق، حيث انقلبت إلى وحوش كاسرة، وانحطَّت إلى حضيض الحيوانية، فلا همّ لها إلا تحصيل اللذة من أقصر طرقها، والاستئثار بالقدرات والأموال والاستغلال غير المشروع، ثم الشعور بالضياع والفراغ الروحي وفقد الهدف. كل ذلك أصبح من الوضوح بحدٍّ لا يحتاج إلى مزيد بيان.

 

وقد جدّ المستعمر الكافر في بلاد الإسلام في القرن الماضي في إبعاد المدرسة بمناهجها وأجوائها عن الدين والأخلاق، من أجل تجريد الناشئة منهما، في مخطط محبوك، لإضعاف الأمة بل تدميرها.

غير أن سوء تصرف المستعمر وانكشاف نواياه الخبيثة، وقوة الدين ووعي الأمة، وتأصّل المثل والأخلاق وتجذرهما فيها، أفشل المخطط المذكور، ورجع الناس لدينهم معتزين به.

ونحن اليوم أمام مستقبل مجهول للمناهج الدراسية التي يراد وضعها للعراق، ولا ندري كيف تكون. وعلينا أن نتحلى بمزيد من اليقظة والحذر، من أجل الحفاظ على أجيالنا الصاعدة في دينها وأخلاقها، وربطها بأصولها الأصيلة ومثلها السامية.

ولا تختص مسؤولية ذلك في الحقيقة بالمدرّس والمعلّم، بل المسؤول الأول في ذلك الآباء وأولياء الأمور.

 

يقول الله سبحانه وتعالى:  ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا

يُؤْمَرُونَ))(14). كما أن للبيئة والمجتمع أكبر الأثر في ذلك.

إلا أن لكلمة المعلّم والمدرّس من التأثير في نفس الطالب والتلميذ ما لا يوجد لكلمة غيره. ولا سيما مع انشغال غالب الآباء والأولياء وإهمالهم لذلك، واكتفائهم في تثقيف أبنائهم بالمدرسة، حيث يضاعف ذلك مسؤولية المعلّم والمدرّس بهذا الأمر الهامّ في كيان الجيل الناشئ. خصوصاً بعد أن كان ذلك في ضمن مسؤوليات المعلّمين والمدرّسين بحكم وظيفتهم.

ويتعين من أجل ذلك الاهتمام بتثقيف الجيل الصاعد في المدرسة بالعقائد الحقة والمفاهيم الدينية الصحيحة، وتربيته تربية مثالية صالحة، قبل أن ينفلت من أيدينا، ونفقد الارتباط به.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته للإمام الحسن(عليه السلام): «وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك...»(15).

ويقول الإمام الصادق(عليه السلام): «بادروا أحداثكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليه المرجئة»(16).

وهذه مسؤولية كبرى وحمل ثقيل يحتاج إلى جهود مكثفة وجد واجتهاد. والله سبحانه وتعالى في عون العاملين المخلصين، وهو أرحم الراحمين.

 

الرابع:

لابد من السعي الحثيث والمطالبة الجدية بتثقيف أبناء أتباع أهل البيت (صلوات الله عليهم) وشيعتهم بمميزاتهم الدينية، وتعليمهم بما يتميزون به عن غيرهم دينياً،

من العقائد والأحكام العملية الفقهية، فإن هذا هو الحق الطبيعي لكل فئة تمتاز بعقائدها وسلوكها، فضلاً عن شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، الذين يشكلون الأكثرية المطلقة في هذا البلد العريق، الذي بوركت فيه بذرة التشيع لأهل البيت (صلوات الله عليهم)، ونمت وتجذّرت.

وقد كان هذا من أوليات اهتمامات سيدنا الجد المرجع الديني الأعلى السيد الحكيم(قدس سره)، حتى أن مدير الأوقاف في وقته (عبد الرحمن خضر) قد وعده حينما زاره في داره في النجف الأشرف أن يدخل الدروس الدينية في المناهج الدراسية، وأن يخص المناطق الخالصة من العراق لأتباع أهل البيت وشيعتهم بدراسة دينية شيعية، كما يخص المناطق الخالصة للآخرين بدراسة دينية تخصهم، وأن يجعل الدراسة في المناطق المختلطة من الطرفين مشتركة ذات طابعين، كل ذلك حفظاً لحقوق الجميع.

إلا أن تعصبه الأعمى، وتركيبة نظام الحكم الطائفي في وقته قد حملاه على خلف وعده، حيث تجاهل شيعة أهل البيت، وعمم دراسة الدين في جميع مدارس العراق بما يتناسب مع وجهة غيرهم.

وقد حمل ذلك السيد الجد(قدس سره) على رفض الاجتماع به في زيارة له أخرى للنجف الأشرف، احتجاجاً على موقفه العدواني.

ثم حاول(قدس سره) أن يتدراك الأمر بمختلف الوسائل والطرق، إلا أن التركيبة الطائفية لنظم الحكم السابقة قد حالت دون ذلك، حتى كانت الكارثة العظمى بقيام النظام البائد الذي حاول اجتثاث دعوة أهل البيت(صلوات الله عليهم) من أصولها في العراق، لولا عناية الله تعالى التي حالت دون ذلك يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(17).

أما الآن وبعد زوال ذلك النظام، وانتقام الله تعالى للمؤمنين والمظلومين، فلابد أن يأخذ شيعة أهل البيت (صلوات الله عليهم) حقهم في جميع المجالات، ومنها تثقيفهم بدينهم في عقائدهم وفقههم، ويجدّوا في السعي له، ويصرّوا عليه، مستعينين بالله تعالى، وهو نعم المعين، وولي المؤمنين، والمدافع عنهم.

 

الخامس:

من أعظم المخاطر التي تحيق بالجيل الجديد في خلقهم ومثلهم الاختلاط في مراحل الدراسة أو بعضها بين الجنسين. ومهما حاول المجادل أن ينكر ذلك ويدافع عنه فالواقع الخارجي والتتبع الميداني أقوى شاهد على ما نقول.

فلابد من الاهتمام..

أولاً: بالمنع من الاختلاط مهما أمكن، ولو في بعض المراحل، والجدّ في ذلك، وبذل الجهود المكثّفة، حفاظاً على ما يمكن الحفاظ عليه من المثل والأخلاق والقيم النبيلة، التي هي أوسمة فخر لهذا البلد العريق.

وثانياً: بالحذر الشديد من مفاسد الاختلاط في المراحل التي يفرض فيها، وذلك بالتوعية والإرشاد والنصيحة، ثم بالرقابة الدقيقة من الهيئة التربوية. لكن مع الرفق وحسن التصرف في جميع ذلك، والبعد عن العنف والشدة، حذراً من التنفر، وردود الفعل السيئة، التي لا تحمد عقباها.

يقول الله سبحانه وتعالى:  ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))(18).

وقال عز وجل:  ((وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ))(19).

وفي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: «ما وضع الرفق على شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه»(20).

والله سبحانه المسدد في ذلك والمعين عليه.

 

السادس:

يملك المسلمون من تراث أئمة أهل البيت(عليهم السلام) أفضل رصيد في العقائد والأخلاق والمثل وسياسة الناس وعلم النفس والاجتماع والعشرة، بل حتى في فروع الثقافة والمعرفة الأخرى، كالطب والفيزياء وغيرهما، فإن لهم فيها تنبيهات هامّة، وحقائق مذهلة، واكتشافات لا تناسب العصر الذي عاشوا فيه، والبيئة التي نشؤوا فيها، حيث يكشف ذلك عن اطلاعهم على مفاتيح العلم والمعرفة، وأخذهم لها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن الله تعالى مباشرة، فهم(عليهم السلام) ورثة علمه(صلى الله عليه وآله وسلّم) وخزنته.

وتجد ذلك كله مبثوثاً في خطبهم وأدعيتهم وأحاديثهم التي حفظها شيعتهم عنهم، والتي كانت ولا زالت سهلة التناول خصوصاً في هذه الأيام بسبب الحملة المكثفة لطباعة تراثهم (صلوات الله عليهم).

لكن الكثرة الكاثرة من المسلمين بسبب إعراضهم عن أهل البيت (صلوات الله عليهم) عقائدياً وفقهياً قد تجاهلوا تراثهم المذكور وأعرضوا عنه تغييباً لهم(عليهم السلام) عن الواقع الإسلامي وعن ثقافته.

بل جدّت كثير من السلطات في بلاد الإسلام في مقاومة أهل البيت (عليهم السلام) ومنع تراثهم من الظهور والانتشار.

وقد كان ذلك من أبرز سمات النظام البائد الذي طالت مدته وعظمت محنته، حتى نشأت أجيال كثيرة لا تعرف من ذلك التراث العظيم شيئاً يعتد به.

وبذلك خسر المسلمون بل العالم أعظم خسارة وفاتهم خير كثير لو كانوا يعلمون.

أما الآن وبعد أن غيّر الله وتعالى وبدّل وأنعم على العراقيين بزوال ذلك النظام وانهياره، وفتحت الأبواب وتيسر الاطلاع على المصادر فلا عذر لشيعة أهل البيت(عليهم السلام) في أن يغفلوا تراث أئمتهم (صلوات الله عليهم) وينفصلوا عنه.

ولا سيما وأن ذلك التراث قد بلغ من السمو والرفعة ما يجعله وسام شرف للشيعة، يفاخرون به الأمم، ويقيمون به الحجة عليها، وهو من أقوى أسباب الدعوة لخط أهل البيت (عليهم السلام) وترويجه.

 

وعلى أهل المعرفة والاختصاص أن يدرسوا هذا التراث العظيم بتروٍ وتدبر، ويستزيدوا من التعرف على أسراره وخفاياه، لينتفعوا بها وينفعوا بها غيرهم.

وإن من أهم واجبات التربويين من المعلمين والمدرسين تعريف الأجيال الناشئة عليه وتثقيفها به وشدها إليه، حتى يألفوه ويعيشوا في أجوائه، ليستفيدوا منه إذا اشتد عُودهم وقويت مداركهم، وينهلوا من نميره العذب، ويسعدوا ببركته في دينه ودنياهم.

 

السابع:

من الظاهر أن السلطة تسعى لتحريف الحقائق من أجل خدمة أهدافها وتركيز شرعيتها.

وإن لنا في التجربة القريبة التي عشناها في ظل النظام البائد خير دليل على ذلك، فكم حرّفت حقائق عن واقعها، وأغفلت أحداث لا يعجب النظام ظهورها حتى نُسيت، وافتريت أكاذيب أكد النظام عليها حتى نشأ عليها الصغير وهرم عليها الكبير، وأصبحت في عداد المسلمات عند كثير من شرائح الشعب.

 

وحيث لا ريب في إن السلطات المتعاقبة في تاريخ المسلمين يطغى عليها الانحراف عن خط أهل البيت (صلوات الله عليهم)، بل النصب والعداء لهم فمن الطبيعي أن يكون التاريخ قد حرّف لصالح تلك السلطات وفي غير صالح أهل البيت(عليهم السلام)، بل ضدهم وقد أوضح أمير المؤمنين (عليه السلام) ذلك بالاضافة إلى حال الصدر الأول فقال (صلوات الله عليه):«إن العرب كرهت أمر محمد وحسدته على ما آتاه الله من فضله، واستطالت أيامه، حتى قذفت زوجته، ونفرت به ناقته، مع عظيم إحسانه إليها، وجسيم مننه عندها، وأجمعت مذ كان حياً على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته.

ولولا أن قريشاً جعلت اسمه ذريعة إلى الرياسة، وسلما إلى العز والإمرة، لما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً، ولارتدت في حافرتها، وعاد قارحها جذعاً، وبازلها بكراً. ثم فتح الله عليها الفتوح، فأثرت بعد الفاقة، وتمولت بعد الجهد والمخمصة، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجاً، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطرباً، وقالت: لولا أنه حق لما كان كذا.

 

ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها، وحسن تدبير الأمراء القائمين بها. فتأكد عند الناس نباهة قوم، وخمول آخرين. فكنا نحن ممن خمل ذكره، وخبت ناره، وانقطع صوته وصيته، حتى أكل الدهر علينا وشرب، ومضت السنون والأحقاب بما فيها. ومات كثير ممن يعرف، ونشأ كثير ممن لا يعرف»(21).

وحينما سئل (عليه السلام)عن أحاديث البدع وعما في أيدي الناس من اختلاف الخبر، قال:

«إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعاماً وخاصاً، ومحكماً ومتشابهاً، وحفظاً ووهماً. ولقد كذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلّم) على عهده، حتى قام خطيباً، فقال: من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار. وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس:

رجل منافق مظهر للإيمان، متصنع بالإسلام لا يتأثم، ولا يتحرج، يكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلّم) متعمداً. فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه، ولم يصدقوا قوله.

ولكنهم قالوا: صاحب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلّم)، رأى وسمع منه، ولقف عنه، فيأخذون بقوله. وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك، ووصفهم بما وصفهم به لك. ثم بقوا بعده (عليه وآله السلام)، فتقربوا إلى أئمة الضلالة، والدعاة إلى النار بالزور والبهتان، فولوهم الأعمال، وجعلوهم حكاماً على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا، إلا من عصم الله. فهو أحد الأربعة»(22).

فكيف يا ترى كيف صار الحال من بعده في عصور الإسلام اللاحقة وسلطاته المتعاقبة وهناك لفتات كثيرة تظهر للباحث تؤكد ذلك.

فعلى طلاب الحقيقة من الباحثين والأساتذة والمدرسين النظر بعين الريبة للتاريخ المدون وتقييم الأحداث بمزيد من التدبر والتبصر للتعرف على ظلامة أهل البيت في هذا الجانب وظهور حقهم وحقيقة تاريخهم وتعاليمهم ليؤدوا بذلك واجبهم في الحفاظ على الحقيقة وتعريف الأجيال الناشئة بها. والله سبحانه المسدد في ذلك.

   

الثامن:

لا ريب في أن المحنة عسيرة، والمتطلبات كثيرة، وتحقيق ما ذكرناه في رسالتنا هذه والقيام به يحتاج إلى جهود استثنائية وعمل حثيث، إلا أنه لابد منه، نظراً للحاجة الملحة في هذا الظرف الحرج، والمرحلة الحاسمة في توجيه مستقبل البلد.ولعل من أهم ما يعين على ذلك التواصل والتحاور مع المرجعية التي تجمع شمل المؤمنين، ومع رجال الحوزة العلمية من ذوي الدين والفضيلة والاستقامة.

وقد أكدنا على ذلك وأطلنا الكلام فيه في رسالتنا التي وجهناها للشعب العراقي بعد سقوط النظام. ونحن بعدُ نؤكد على ذلك مرة أخرى. كما أننا على أتم الاستعداد لمديد العون وتقديم ما يسعنا تقديمه في جميع المجالات.

كما نؤكد على أن التوفيق من الله سبحانه وبيده النجاح والفلاح، وقد وعد العاملين في سبيله خيراً.

قال عز من قائل:  ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ))(23).

وقال عز وجل: ((اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ))(24).

وقال سبحانه: ((وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ))(25).

فعلينا جميعاً أن نوجه وجهتنا نحوه، ونخلص بنيّتنا معه في خدمة عباده، ونحسن الظن به، ونلجأ إليه في العون والتسديد والتوفيق والتأييد، ونتوكل عليه في جميع أمورنا إنه أرحم الراحمين وولي المؤمنين وخير الناصرين.

 

والسلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.

النجف الأشرف 20 / جمادى الآخرة 1424هجرية

image19.gif

ــــــــــــــ

(1) سورة العلق: 1-5.

(2) سورة القلم: 1-2 .

(3) سورة النحل: 28.

(4) سورة المجادلة: 11.

(5) سورة طه: 114.

(6) نهج البلاغة ج4ص18.

(7) في رحاب العقيدة ج3 ص76.

(8) ، (9) في رحاب العقيدة ج2 ص129 ، 128.

(10) معجم رجال الحديث ج5 ص37.

(11) ، (12) في رحاب العقيدة ج3 ص172 ، 54.

(13) ميزان الاعتدال ج1 ص5.

(14) سورة التحريم: 6.

(15) نهج البلاغة ج3 ص40.

(16) وسائل الشيعة ج18 ص62.

(17) سورة التوبة: 32.

(18) سورة النحل: 125.

(19) سورة آل عمران: 125.

(20) الكافي ج2 ص119.

(21) في رحاب العقيدة ج2 ص 132.

(22) في رحاب العقيدة ج 2 ص 132.

(23) سورة العنكبوت: 69.

(24) سورة البقرة: 153.

(25) سورة الطلاق: 3.