كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (دام ظله)
في تأبين سماحة الشهيد السعيد آية الله السيد محمد باقر الحكيم ( طاب ثراه )
والتي ألقاها في الحفل التأبيني لأربعينية الشهيد في ٦ / شعبان /١٤٢٤
سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد عدنان البكاء
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد
وآله الطاهرين واللعنة الدائمــة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد فيعز عليّ أن أتحدث بمرارة وأسى ً مأبنا شهيدنا السعيد الذي قضى في كوكبة من
الشهداء غدرا في جريمة مروعة تقشعر لهولها الأبدان.
ذلك العزيز الذي طـال علينا فراقه وغيابه، حتى إذا رأيناه والتقينا به بعد اليأس
والعناء، فوجئنا بفقده ونحـن في أمس الحاجة إليه في هذا الظرف العصيب والأوضاع
المعقدة (ولله أمــر هـو بالغه) .
ولقد كانت حياته ( رضوان الله عليه )عطاءً متدفقاً في مختلف الجوانب ولا يســعنا
استيعابها في هذه العجالة إلا أن ما يهمنا فعلا الحديث عنه هــي الجوانـب التـي
تصلح أن تكون عبرة يتأسى بها العاملون في مجال الاصلاح والذيــن يتحملـون مسؤولية
إدارة شؤون الناس وتوجيههم في مختلف المجالات والأنشطة .
كان سماحة الشهيد آية الله السيد محمد باقر الحكيم ( طاب ثراه ) قد تبنى مشـروعه
كواجب مقدس عن قناعة منه تامة ورؤية واضحة وكان يسعى في سبيله بتصميـم وإصرار وضحى
من أجله بالغالي والنفيس وتحمل من أجله ما تحمل من مصاعب ومتاعب يعلمها الجميع إلا
أنه مع ذلك كان يتحلى بأمور حقيقة بالإعجاب والإكبار لما لها من الأهمية في نفع
المجتمع وسلامة المنهج .
الأول : سعة الأفق واحترام الجميع في قناعاتهم واتجاهاتهم والحوار والتفاهم معـهم
والبعد عن العنف والشدة في فرض وجهة نظره على غيره فضلا عــن التـهاتر والتنابز
والتهريج والتشنيع .
الثاني :إنه كان ينفتح على الآخرين في التعاون والعمل من أجل الأصول الجامعـة
والأهداف المشتركة التي تهم الجميع بغض النظر عن الخلافات والمميزات، فــهو داعية
لجمع الكلمة وتوحيد الأمة ورص صفوفها من أجــل أن تتكلـل جـهودها بالفلاح والنجاح
وتفرض إرادتها على أرض الواقع واحترامها على الآخرين .
الثالث :إن تربيته الدينية العريقة وقوة ارتباطه بجذوره الأصيلة وثقافته الإسـلامية
السلمية جعلته يلتزم خط أهل البيت (صلوات الله عليهم) الذي رسموه لشيعتهم فـي
عهودهم الطويلة وينشد إليه وينافح عنه وعن كياناته القيادية المخلصة، كما جعلــت
منه رقيبا على نفسه يمنعها من الخروج عن الميزان الشرعي والضوابط الأخلاقية الفاضلة
في الدعوة وطرق العمل ومفردات السلوك، ولم يحمله ثقل الــهدف الـذي تبناه ووعورة
الطريق على إغفال هذا الجانب من أجل الوصول لهدفه، وهذه هـي الاستقامة التي أمر
الله تعالى بها وأشار إليها أمير المؤمنين (عليه السلام) بقولــه المشهور : (قد يرى
الحوّل القلّب وجه الحيلة ودونها حاجز من تقــوى الله فيدعـها رأي العين وينتهزها
من لا حريجة له في الدين) .
الرابع :حبه لأبناء شعبه وارتباطه بهم وإخلاصه لهم وتفانيه في خدمتهم وتحــري
صلاحهم حتى شعروا بأبوّته عليهم، وبأنه يعيش قضيتهم ويحمل همومهم، ولذلك قـد روعوا
بمصابه وشعروا بفداحة الخسارة بفقده، وبالفراغ الهائل بعده، كما بدا ذلــك للعيان
في تعاملهم مع الفاجعة وتفاعلهم بها، وحسب قناعتنا فإن الله سبحانه وتعـالى قد علم
منه الإخلاص وحسن النية، فشكرهما له ومنّ عليه بأن عاش عزيزاً سـعيداً قد فاز بحب
المؤمنين، ومات فقيداً شهيداً هدّتهم مصيبته، وذلك من أعظم النعم التـي يمن الله
تعالى بها على الخاصة من عباده (والعاقبة للمتقين) .
وعلى كل حال فقد هوّن ما نزل بنا أنه بعين الله تعالى وحسن بلائه للمؤمنين ففيـه
سبحانه عزاء من كل هالك، وخلف من كل فائت، وهو القائل فــي محكـم كتابـه المجيد :(ولنبلونكم
بشيء من الخوف والجوع ونقــص مـن الأمـوال والأنفـس والثمرات وبشر الصابرين * الذين
إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعـون * أولئك عليهم صلوات من ربهم
ورحمة وأولئك هم المهتدون).
كما قال عزّ من قائل : (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله
وصدق الله ورسـوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليما) .
فعلى العاملين الخيرين في جميع المجالات والأنشطة أن تكــون هـذه الخسـارة الفادحة
محفزةً لهم على سلامة منهجهم وتوحيد كلمتهم لخدمة هذا البلد المنكــوب ومداواة
جروحه والنهوض به والسعي الحثيث لمنع العــابثين والمخربيـن وسـد الطريق عليهم
ونسأل الله سبحانه أن يأخذ بأيديهم ويمدهم بتأييده وتوفيقه .
كما نسأله جل شأنه أن يرفع درجات شهيدنا العزيز والشهداء الذين مضــوا معـه، ويضاعف
حسناتهم ويحشرهم مع أوليائهم الطاهرين محمد وآله صلوات الله عليهم أجمعين، وأن
يعوضنا وجميع المنكوبين عن هذه المصيبة بأفضل العوض في الدنيا والآخرة إنه حميد
مجيد وهو حسبنا ونعم الوكيل.
والسلام عليك يا أبا صادق مــن صميم قلوبنا وعلى الشهداء الذين مضوا معك ورحمة الله
وبركاته
وإنــا لله وإنـا راجعون .