لم تكن المفاجأة بالحديث عن الشيعة والسنة لاحد
اشهر خطباء مدينة اربد ( الاردن ) في خطبة يوم الجمعة الماضية, لكن المفاجأة كانت
بالنهج الذي نهجه ذلك الخطيب بالهجوم الكاسح على الشيعة الى حد انه كفرهم . عادة
وفي الجزء الثاني من الخطبة يأخذ الخطيب بالدعاء على اعداء الامة الاسلامية
والعربية , وهنا وعلى الرغم من ان الخطبة لم تخل من حديث عن الاحتلال الامريكي
للعراق , وتتضمنت الخطبة ايضا ذكرا للمعاناة الفلسطينية تحت الاحتلال الاسرائيلي .
الا ان خطيبنا هذا قد ترك كل هؤلاء وانهال على الشيعة بالشتائم والدعاء عليهم
بالفناء واعتبرهم سبب كل ما يحصل للعراق من دمار وخراب, وكما قلت فقد ذهب بعيدا
لدرجة انه كفرهم.
سكت على مضض وبقيت جالسا حتى انتهت الصلاة لكن الحكاية لم تنته. حرصت ان اتحدث
للخطيب قبل مغادرته للمسجد, ومن حسن حظي او ربما من سوءه فقد قابلته, وبدأت الحديث
معه بكل ود حتى لا يضيع الهدف الذي رجوته من استيقاف الخطيب , ولخصت فكرتي بأن
المخطط الامريكي والصهيوني يدعو لمثل هذه النزعة , بافتعال هوة ما بين المسلمين
وبعضهم, وان تبني مثل هذه الفكرة وبثها في المساجد لهو الخطر الاكبر , وعندها كانت
الطامة الكبرى , حيث انه تشنج لرأيه وبدأ صوته يعلو, وفقد اعصابه عندما قلت له انه
بخطبته هذه يِؤكد مخططا امريكيا بضرب المسلمين بعضهم ببعض , وانه يكفر قوما يقولون
لا اله الا الله .
وبدأت الخطبة من جديد و لكن هذه المرة ليس لجموع المصلين بل لي وحدي, نعم لي وحدي ,
فها هو اخي ايضا يؤيد ما ورد على لسان الخطيب من موقفه تجاه الشيعة , شعرت بالاسى ,
وظننت ان هذا الموقف مقصور على مجموعة ضيقة , ولكن ما ان دار الحديث مرة اخرى حول
خطبة الجمعة واذا بابن عمي ايضا يؤيد ما ورد على لسان الخطيب , وعليت الاصوات من
حولي لاجد ان الشارع كله يتبنى هذه الفكرة. حاولت جاهدا ان اوضح على الاقل للذين من
حولي ,مدى خطورة الموقف ,
لكن الحالة كانت قد تفشت في عقول ونفوس هؤلاء الناس , وعاد شريط صدام حسين ثانية
ليفتل في رأسي , فكما استخف صدام حسين بعقول وعواطف هذا الشارع , ها هي السياسة
الامريكية والصهيونية تستخف بها مرة اخرى ولكن هذه المرة من خلال خطباءنا وقياداتنا
جميعا
شعرت بدوار رهيب وكم كان حزني عندما شعرت بضعفي امام هذه القوى الخفية. لا انها لم
تعد خفية فهو الاعلام , الذي يلعب بعقول الشارع العربي بكل هذه البساطة , لملمت
اشلائي وكل احزاني وعدت الى هولندا بعد ذلك الكابوس الذي الذي قضيت به اسبوعين في
الاردن.
اذا علمنا بأن الخطبة يوم الجمعة في بلد مثل الاردن يجب ان يوافق عليها مسبقا من
الدوائر الامنية , واذا عرفنا موقف الاردن من كل ما يحدث وسيحدث في المنطقة , واذا
اوصلنا فهمنا وادراكنا هذا الى انه لا يمكن لمثل هذا البلد ان يحيد عن سياسة قد
رسمتها الايدي الامريكية والصهيونية , وجب علينا الوقوف عند مثل هذه الخطبة والتمعن
قليلا بالمقصود من بث مثل هذه الفكرة . سوف نجد بأن تصدير مثل هذه الفجوة بين
الشيعة والسنة الى دول الجوار يتفق مع الفكرة القائلة بتأكيد حالة الاضطراب في
العراق لضمان تواجد واحتلال امريكي طويل الامد في هذا البلد بل و في كل المنطقة.
اذن كان لا بد من تأكيد حالة البلبلة في الشارع العراقي وخاصة بين الشيعة والسنة ,
وان ضرب هذان المعسكران بعضهما البعض وانشغالهم بما يعمل على فناء احدهما للاخر لهي
الحالة المثلى لهذا الاستعمار , واذا بدأت مثل هذه الحرب لن يستطيع احد منا التنبأ
بنهايتها هذا ان كنت متفائلا بذكر كلمة نهاية لمثل هذا الصراع . ان حالة الاضطراب
في الشارع العراقي وخاصة بين الشيعة والسنة , لهي البيئة المناسبة لتواجد هنيء
البال للاحتلال الامريكي الذي سوف يشرب نخب انتصاره في استعماره الجديد فقط في ذلك
لوقت الذي يقتل الشيعة والسنة بعضهم البعض. ولن يغادر هذا المستعمر المنطقة الا في
حالة نفاذ اخر قطرة دم , اقصد اخر قطرة نفط .
لا شك ان اللعبة معقدة وخطيرة جدا , واحتواءها يحتاج الى تكاتف كل الجهود من اجل
الوصول لاستراتيجية معقولة للتعامل مع كل المعطيات , وردع الخطر المتغلغل في وطننا
, وهنا ارى انه من واجبنا التشاور فيما بيننا والاخذ على عاتقنا ردم الفجوة التي
يخلقها اعداءنا . وليس من اللائق لنا امام انفسنا وامام الاجيال القادمة بأن نأخذ
دور المتفرج امام كل هذا الكم الهائل من الاحداث , وللاسف فان الشارع العربي مهيئ
تماما لفرز نفسيات مريضة وقد تكون مدفوعة او ربما ساذجة مثل خطيبنا هذا.
فاتح الخطيب