1 ربيع الأول: الهجرة النبوية الشريفة
يصادف غرة ربيع
الأول الذكرى السنوية المباركة للهجرة النبوية الشريفة. ففي مثل هذا اليوم من السنة
الثالثة عشر للبعثة خرج النبي (صلى الله عليه وآله
وسلم) مهاجراً من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة يحمل بين جنباته أملاً
كبيراً وعزيمة شديدة في إدامة التبليغ ودعوة الناس إلى الهدى.
ان هذه الهجرة
المباركة تختزن في داخلها جملة من الدروس والعبر التي لا مناص لكل مؤمن ومبلّغ ان
يستفيد منها ويتأمل فيها..
فان صدق النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) وإيمانه بالحق الذي
هو عليه صيّر كل المحاولات الحاقدة لإخماد ثورته ورسالته أوهن من بيوت العنكبوت..
فلم يهن ولم يخنع ولم يتراجع وهو (صلى الله عليه وآله
وسلم) القائل: (والله لو وضعوا الشمس في يميني
والقمر في شمالي على ان اترك هذا الأمر ما تركته).
وما هذا إلا دعوة
لنا بأن نتحلى بهذه العزيمة ونعيش على أمل الانتصار تاسياً بنبينا العظيم
(صلى الله عليه وآله وسلم).
وتعلمنا هجرة
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ان لا نتقوقع
في اماكننا بحجة عدم استجابة الآخرين وان لا نقتصر على أسلوب واحد في عملية الإصلاح
والهداية وان لا ننتظر من الآخرين ان يبادروا لطلب الحق من عندنا.. بل علينا ان
نمتلك زمام المبادرة ونكون الداعين والمؤسسين والباذلين ولعل أهم تلك الدروس هو ان
نعرف ان الالتصاق بالله تعالى والتوكل عليه كفيلٌ بأن يعمي عنك أمة اجتمعت على قتلك
وان يسخر الدنيا بما فيها لحمايتك والذب عنك وان يجعل عاقبة أمرك نصراً عزيزاً يغير
وجه الدنيا ويخرجها من الظلمات إلى النور.
4 ربيع الأول: وفاة
الشيخ يوسف البحراني
الشيخ يوسف بن
الشيخ احمد بن ابراهيم البحراني المتولد في قرية الماحوز من قرى البحرين سنة
1107هـ.ق، عَلَمٌ من اعلام المذهب وجهبذ من جهابذة العلم وهو صاحب الموسوعة الفقهية
(الحدائق الناظرة) والتي لا مناص لكل طالب علم مهما بلغ من الرجوع إليها والاستفادة
منها حتى اشتهر الشيخ بأسم (صاحب الحدائق).
كان للشيخ
(رحمه الله) الأثر الكبير في رفد الساحة العلمية
واغناء الفكر الشيعي لا سيما في الجوانب التخصصية فلقد خلّف تراثاً ضخماً في هذا
المجال وهذا ما تجسّد في كتبه: (الدرر النجفية) و(الرضاعية) و(الشهاب الثاقب)
و(سلاسل الحديد) و(لؤلؤة البحرين).
كانت وفاته في
مدينة كربلاء في يوم السبت 4 ربيع الأول سنة 1186هـ. ق، وصلى على جنازته العلامة
الشيخ محمد باقر البهبهاني والذي كان يختلف معه في الكثير من الآراء العلمية.
ولقد رثاه جملة من
الأدباء والشعراء، منهم السيد محمد الزيني حيث يقول:
ما
عُذر عينٍ بالدمـا لا تـذرف وحشاشة بلظى الأسى لا تتلفُُ
واليوم قد أودى الإمـام العالـم العلم التقي أبو المفاخر يوسفُ
دُرسـت مدارس فضله ولكم بها كانت معارف دين احمد تعرفُ
8
ربيع الأول: شهادة الإمام الحسن العسكري
(عليه
السلام)
بعد ان عجزت كل
الأساليب الماكرة والخطط المبرمجة عن ان تحتوي لسان الحق الناطق قرر أعداء الله
ورسوله بقيادة المعتمد العباسي ان يغتالوا حجة الله على خلقه والوارث لعلم النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) والمتولد من صلبه
الشريف الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري (عليه
السلام) لعلهم يطفئون نور الله (ويأبى الله إلا
ان يتم نوره) فدسوا إليه السم كآخر اسلوب من اساليبهم وكاعلانٍ عن كفرهم
وتمردهم على الله ورسوله.
الإمام الحسن
العسكري (عليه السلام) هو الإمام الحادي عشر من
أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وهو أصغر الأئمة
عمراً إذ أنه ولد سنة 232هـ. وانتقل إلى جوار ربه في يوم الجمعة 8 ربيع الأول سنة
260هـ، فيكون عمره 28 سنة يوم وافاه الأجل.
الا أن قلة العمر
لا تمنع من أن يقوم الإمام بدوره ويحقق الهدف المرجو منه وذلك من خلال الاستفادة من
كل موقف من أجل الهدف الأسمى. هذا ما نلحظه واضحاً في سيرة أئمتنا
(عليهم السلام) عموماً فكانوا يذكرون الناس
بالله تعالى في كل مشهد ويدافعون عن شريعة المصطفى (صلى
الله عليه وآله وسلم) في كل موقف. وها هو الإمام العسكري
(عليه السلام) محاصراً في مدينة سامراء. تتقاذفه
سجون الظلمة وتحسب عليه الأنفاس فنيبغي على هذا أن لا يكون له أي وجود اجتماعي أو
فكري أو سياسي، ولكن على عكس هذا تماماً نجد الإمام
(عليه السلام) ذلك العنصر الطاهر الذي تنحني أمامه الرقاب والنفوس ففي رواية
عن علي بن محمد بن اسماعيل العلوي أنه قال: (حُبسنا مع
ابي محمد العسكري عند علي بن نارمش وهو انصب الناس وأشدهم على آل أبي طالب. وكان
مأموراً بأن يضيق على الإمام بكل ما يستطيع، ولكن لم يمر على سجننا إلا يوماً
واحداً حتى وضع ابن نارمش خديه (كناية عن الخضوع والتذلل)
وكان لا يرفع بصره إلى الإمام (عليه السلام)
إجلالاً وإعظاماً وخرج الإمام (عليه السلام)
من عنده وابن نارمش احسن الناس بصيرة وأحسن الناس فيه قولاً) (1).
من جانب آخر نجد
شيئاً ملفتاً للنظر في سيرته المباركة، وهو انه (عليه
السلام) مع كل الطوق الخانق على اتصالات الإمام
(عليه السلام) وتحركاته إلا أن الرواة الذين رووا عنه بلا واسطة بلغوا (149)
راوٍ مع الاختلاف في وثاقتهم ومنازلهم.
هذا بالإضافة إلى
مواقف الإمام (عليه السلام) وكلماته في التوحيد
والأخلاق والتفسير والفقه التي دونها التاريخ والتي تدل بوضوح على تفاني الإمام
(عليه السلام) من أجل دينه ومعتقده.
فالسلام عليه يوم
ولد ويوم استشهد مسموماً مظلوماً ويوم يبعث حياً.
9
ربيع الأول: تتويج الإمام الحجة
(عجل
الله تعالى فرجه)
هناك سنن إلهية
تجري على أساسها حياة المجتمعات بأجمعها ومنها المجتمع البشري ومن ابرز هذه السنن
انتصار الحق ودحض الباطل. (وقل جاء الحق وزهق الباطل ان
الباطل كان زهوقا) الإسراء:81.
ان سفينة الحياة
مآلها ان ترسو على شاطئ رحمة الله تعالى لانه تعالى خلق الخلق ليرحمهم ورحمة الله
تعالى تنحصر في اتباع رسالاته والتي تمثلت جميعها بالإسلام العظيم:
(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين
كله ولو كره المشركون) التوبة: 33.
فما دامت السماوات
والأرض قد خلقت بالحق وعلى أساس الحق فأن سلطان الحق وحاكميته وسيادته هو المتوافق
مع مسيرة الكون وهو العلاج الناجع لكل الآلام والمحن:
(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)
الأنبياء: 105.
ان التجارب التي
خاضتها البشرية في مسيرتها الطويلة قد دلت بما لا شك فيه على ان المسيرة الطبيعية
للنظم الحاكمة في الأرض لن تصل بها إلى تلك التطلعات السامية التي انطوت عليها نفوس
البشر من تحقيق مدينة فاضلة تسودها العدالة وينفرد الحق بحكمها بلا منازع.
فمتى وكيف يتحقق
هذا الطموح البشري الفطري والذي يعكس في حقيقة الأمر عن وجود هذا المعنى وامكان
تحققه في الخارج. هل يمكن ان يتكامل البشر بصورة عادية إلى أن يبلغ هذا المستوى
الأرفع؟.
ان ترسانات
الأسلحة الذرية والكيمياوية ومؤامرات المستكبرين ضد مستضعفي الأرض وتقهقر البشرية
الواضح في ميادين الفضيلة والهدى وتدهورها المرعب إلى حضيض الفساد والاعتداء لدليل
واضح على ان السبيل الوحيد إلى تحقيق أهداف الإنسان هي رحمة الله التي أخرجت
الإنسان من الظلمات إلى النور.
وتلك الرحمة انما
هي في ظهور الحجة الأعظم المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف الذي يملأ
الارض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً. ويصادف اليوم التاسع من شهر ربيع
الأول سنة 260 هـ. يوم تتويجه بتاج الإمامة وتسلمه منصب القيادة المطلقة للدنيا.
فالمهدي هو الأمل
الذي ينتشل الخنوع والاستكانة من نفوس الباحثين عن العدالة والمجاهدين في سبيلها.
وهو الحقيقة الصادقة التي يبعث الإيمان بها في قلوب المؤمنين شعلة خالدة من الرجاء
والتفاؤل ذلك الرجاء الذي يمثل الطاقة الكامنة الدافعة للإنسان في مسيرته
التكاملية.
فصوت الحق آتٍ لا
محالة وظلام البغي لا شك زائلُ والعاقبة للمتقين (ونريد
ان نمن على الذين استُضعفوا في الارض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين)
القصص: 5.
17 ربيع الأول: ولادة النبي
(صلى
الله عليه وآله وسلم)
نلتقي في شهر ربيع
الأول وخصوصاً في اليوم السابع عشر منه بذكرى ولادة سيد الخلق رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أرسله الله
تعالى كافة للناس بشيراً ونذيراً وأرسله رحمة للعالمين ليخرج الناس من الظلمات إلى
النور ويعلمنا في مدى الزمن الكتاب والحكمة وليزكينا ويرتفع بنا إلى ساحة القرب من
الله تعالى.
ويجدر بنا ونحن
نعيش رحاب هذه الذكرى العظيمة ان نتسائل: كيف نتمثل هذه الولادة المباركة، وما هو
الموقف الصحيح الذي يجب ان نعيشه تجاهها؟.
وأرى الجواب
وباختصار بالغ هو ان نولد بمولده، فنحن بحاجة إلى ولادة جديدة تحيي الإسلام الذي
بدأ يموت في القلوب ويتحول إلى ممارسات تقليدية خالية من الحركة والعنفوان.
لقد ولد النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) في مرحلة كان الضلال
فيها يغمر الواقع كله. ونحن نعيش في عصر ينفتح في الضلال المثقف والكفر المثقف
والاستكبار المثقف على الواقع ليحارب الإسلام والمسلمين في ثقافتهم لذلك نحتاج إلى
ان نواجه الثقافة المزعومة بثقافة والقوة بقوة والخطة بخطة. فنحن الآن نمثل اكثر من
خمس العالم كمسلمين، ولكننا هزمنا أمام ثلة من اليهود لا يزيد عددهم على العشرين
مليوناً في كل أنحاء العالم، منهم ما لا يتجاوز الستة ملايين في فلسطين.. استنفروا
قوتهم كلها واصبح الكيان الصهيوني قضيتهم وهمهم الأول والأخير.. او قل انهم عاشوا
قضيتهم بكل صدق وأمانة لهذه القضية. اما المسلمون فقد ابتعدوا عن كل معنى فلسطين
حتى صارت القضية عندنا بعد مدة من الزمان هي كيف نتحرر من فلسطين لا كيف نحرر
فلسطين.
لقد كان اليهود في
زمن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مصداقاً
لقوله تعالى: (بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم
شتى) الحشر: 14.
وكان المسلمون
آنذاك مصداقاً لقوله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه
أشداء على الكفار رحماء بينهم...) الفتح: 29.
ولقد انقلبت
الصورة اليوم فاصبحنا واصبحوا مما لا يطاوعني البيان على كتابته.
والنصر يجري على
وفق السنن الإلهية في الكون والإنسان.
فما أرجع الدمع الحقوق ولا انتهى لفتح ولا روى غليل ضماء.
اننا في مولد
النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) يجب
علينا ان نستلهم الدروس والعبر التي حفلت بها مسيرة النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) وآله الكرام
(عليهم السلام) يجب علينا ان نولد كأمةٍ واعية
قويةً تتحرك بالقوة التي غرسها فيها هذا الدين العظيم.
17 ربيع الأول: ولادة الإمام جعفر الصادق
(عليه
السلام)
أشرقت شمس يوم
الجمعة 17 ربيع الأول سنة 83هـ، على المدينة المنورة لتحمل معها بشائر الخير وتزّف
للدنيا خيراً يبث فيها الأمل ويقتلع منها اليأس ويؤكد على ان الله تعالى يرعى عباده
ويمدهم من فضله ورحمته بالهداة والمصلحين والمعلّّمين.
نعم كان هذا اليوم
هو يوم ولادة الإمام السادس من أئمة أهل البيت (عليهم
السلام) أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه
السلام) والذي تنسب إليه الشيعة الإمامية حينما يُسمون بالجعفرية.
والحقيقة ان نسبة
هذا الإنسان أو ذاك إلى جعفر الصادق (عليه السلام)
هو شرف لا يدانيه شرف وعزٌّ لا يضاهيه عزّ فالانتساب لجعفر
(عليه السلام) انتساب لأمير المؤمنين
(عليه السلام) وبالتالي هو انتساب لرسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) وبالنتيجة هو انتساب
لله تعالى.
الانتساب للصادق
(عليه السلام) هو انقياد لإمام تخرج على يديه
اكثر من 4000 طالب في مختلف العلوم.. بل كما يقول ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح
نهج البلاغة ان المذاهب الأربعة: (المالكي- الحنفي- الشافعي- الحنبلي).
كلها راجعة إلى
الإمام الصادق (عليه السلام) في الفقه. فها هو
أبو حنيفة يقول: (لولا السنتان لهلك النعمان) أي لولا السنتان اللتان درس فيهما في
مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) لهلك أبو
حنيفة!!.
الانتساب للصادق
(عليه السلام) هو التمسك بحبل الله المتين الذي
أمرنا الله تعالى ان نتمسك به: (واعتصموا بحبل الله
جميعاً ولا تفرقوا).
فهو شمس من شموس
أهل البيت (عليهم السلام) الذين قال عنهم رسول
الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
(مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف
عنها غرق وهوى).
ونحن نقصد
بالانتساب الانتماء الحقيقي قولاً وفعلاً وروحاً لأئمة أهل البيت
(عليهم السلام) والموالاة التامة لهم والبراءة
من أعدائهم.
روى أبو سعيد
الخدري عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
(لو أن عبداً عبدَ الله ألف عام ما بين الركن والمقام ثم
ذُبح كما يذبح الكبش مظلوماً لبعثه الله مع النفر الذين يقتدي بهم ويهتدي بهداهم
ويسير بسيرتهم إن جنة فجنة وان ناراً فنار) (2).
27 ربيع الأول: وفاة السيد الحكيم
(قدس
سره)
لم يكن مساء يوم
الثلاثاء 27 ربيع الأول سنة 1390هـ، مساءً اعتيادياً.. ففي ذلك المساء وفي مدينة
بغداد وعلى وجه التحديد وفوق سرير من أسرة مستشفى ابن سينا كان ذلك الجسد الذي
انحلته العبادة وهد أركانه المرض قد بدأ يستسلم للمنية التي لابد منها ولاحت عليه
علامات الرحيل عن هذه الدنيا كجسدٍ عاش فيها لا كروح وفكر وعبقرية متجددة.
نعم.. كان المجتهد
الاكبر وزعيم الحوزة العلمية السيد محسن الحكيم في آخر لحظاته الدنيوية وفي أول
بوادر اللقاء مع الحبيب الأكبر.
وفعلاً. فما أن
دقت الساعة لتعلن انها قد بلغت العاشرة والنصف إلا وقد انبتت في قلب كل مؤمن سهماً
وفي عين كل مخلصٍ ينبوعاً من الدموع.
لقد مات الإمام
الذي كان يتزعم دنيا التشيع لأكثر من عشر سنوات وان كانت مرجعيته وتقليد الناس له
قد بدأ قبل ذلك بفترة طويلة.
لقد مات الأستاذ
الذي أعطى العلم والعلماء على امتداد خمسين عاماً من الفوائد والعلوم ما تنأى عن
حمله الجبال حتى تخرج على يديه مئات العلماء في مختلف الأبواب العلمية فمنهم
المجتهدون ومنهم المدرّسون ومنهم الخطباء. ومن لطيف القول ان جملةً من مراجعنا
المعاصرين حفظهم الله تعالى كانوا وكلاء لسماحته في مختلف البقاع الإسلامية.
لقد مات المؤلف
الذي أثرى المكتبة الإسلامية بعطائه المشرق فلقد بلغت مصنفات الإمام الحكيم
(قدس سره) خمسين مؤلفاً بعضها قد طُبع مراراً
وبعضها قد ترجم إلى غير العربية مثل الفارسية والأوردية. وقد اتسمت مؤلفاته
(قدس سره) بالعمق والأصالة والشمول لأهم العلوم
الدينية فكان له تصانيف في علم الكلام والفقه وأصول الفقه، وهي تمثل القطب لرحى
العلوم الدينية ومن أهمها كتابه الخالد مستمسك العروة الوثقى.
لقد مات المجاهد
الذي تشبعت ساحات المنازلة من عرقه وعرفته الخطوب بثباته ورباطة جأشه. ذلك الصوت
الذي كان يستصرخ الناس إلى الحق والجهاد ويكون سابقاً لهم في ساحة النزال. وهذا ما
يشهد له التاريخ فقد ذهب الإمام الحكيم (قدس سره)
مع أستاذه المجاهد السيد محمد سعيد الحبوبي سنة 1332هـ، لمواجهة الغزو البريطاني
للعراق. هذه التجربة التي كان يعتز بها السيد (قدس سره)
بالرغم من فشلها لظروف خاصة فقد أغنته خبرة واسعة بالأوضاع السياسية السائدة.
لقد مات المصلح
الذي واجه الواقع المثقل بالجهل والتخلف والفساد وبسواعد مشمرة وجبين يتطلع إلى
النصر ويخطو نحوه بثبات فبدأ بمشروعه الإصلاحي الكبير لمواجهة الأفكار اللقيطة
والمناهج الضالة فكان موقفه من الشيوعية ذلك الموقف الواعي الذي لا هوادة فيه. فحطم
اركانها وبدد وهم هيبتها بتلك الكلمة الخالدة (الشيوعية كفر وإلحاد).
كما وساهم بشكل
فعال في إرساء وتعميق الثقافة الإسلامية بين مختلف الأوساط وذلك من خلال جملة من
الأمور، منها:
1-
إنشاء مكتبة كبرى في النجف الاشرف مع فروعها العديدة داخل وخارج العراق والتي بلغت
العشرات.
2-
تشجيع أقامة الاحتفالات الخطابية والمحاضرات والندوات والمساهمة فيها.
3-
تشجيع المؤلفين والكتّاب والشباب ودعم حركة التأليف.
4-
تشجيع مواكب الجامعة ودعمها معنوياً ومادياً وسياسياً.
وفي كل نقطة من
هذه النقاط تفاصيل وشواهد لا يسعها المقام.
لقد قام الإمام
الحكيم (رحمه الله) بدور ريادي على مستوى الحياة
الاجتماعية والسياسية والحوزوية... فكانت مرجعيته- بحق- تمثل نقلةً نوعيةً في تاريخ
الحوزة العلمية المباركة وكان تواصله مع المجتمع الناشئ من الإحساس بعمق المسؤولية
صورةً رائعة لتلاحم الحوزة مع أبنائها واتباعها.
فغرس غرساً
مباركاً ننعم نحن اليوم بقطف ثماره والقادم اكثر ان شاء الله تعالى.
كما كانت مواقفه
السياسية الواعية دروساً ومنهجاً لمن يبتغون عزة الدين وعلّو رايته.
وفي الختام، أرى
انه من المناسب جداً ان نتأمل في هذه الكلمات التي تعبر عما في قلب ذلك الرجل
المخلص وهو يخاطب حجاج بيت الله الحرام وعلمائهم حيث يقول:
(ولئن كان الإسلام
بحاجة في كل عصر إلى التبليغ والحماية والعمل في سبيله، فهو أحوج إلى ذلك في هذا
العصر من أي عصر مضى، لما يتعرض له ديننا الحنيف من أخطار وما يواجهه من تيارات
ولهذا فان الرسالة الإسلامية الغالية التي بذل النبي الأعظم وآله وصحبه المجاهدون
نفوسهم في سبيلها تطلب منا اليوم أن نعبئ كل جهودنا وقوانا للعمل في سبيل الإسلام،
وذلك عن طريق تعريف المسلمين بأحكامه وكنوزه العظيمة وتربية جيل مؤمن صالح مشبع
بروح الإسلام قادر على الصمود في وجه التيارات الكافرة وحماية مقدساته من خطرها وعن
طريق إشاعة روح الأخوة والمحبة بين المسلمين لكي يحسّوا جميعاً على اختلاف مذاهبهم
وقومياتهم ولغاتهم أنهم أبناء رسالة واحدة وكتاب واحد وقبلة واحدة).
________________
1- الكليني: أصول الكافي ج1 ص 584.
2- بحار الأنوار: ج 27 ص 180.
|